تعبيرية
الثلاثاء 1 أبريل 2025 / 11:21
في العيد نتحلّى باللياقة الأخلاقية التي نستمدها من اللياقة الروحية
العبادات التي يمارسها المسلم من الصيام والحج والزكاة، عبارة عن تمارين روحية وأخلاقية، ولتألف النفس أن تحيا بأخلاق صحيحة، بدافع المثوبة والترغيب للطاعات، ملتمساً من التعود عافيةَ الروح وتدعيم التقوى وترويض النفس وسلامة الخلق، كما أنها روافد للتطهُّر وتزكية النفس لتعلي معاني الصلة مع الله وبالخلق.
نحن في أيام العيد، وقد امتلأت نفوسنا وقلوبنا - بعد نفحات رمضان- بمحبة الطاعات والإقبال على العبادات، لكن كيف بالإمكان المحافظة على لياقتنا الروحية والأخلاقية؟ وهل بعد شهر من تزكية نفوسنا وتطهيرها سيبقى مفعول هذا الأثر سارياً باقياً نستمد منه الوقود لأيامنا الباقية؟ ليتَنا جميعاً نحرص على أن تكون عباداتنا مقبولة كحرصِنا على أدائها في أوقات الصوم.
نفحات رمضان بمنزلة الهدايا القيِّمة التي تجعل من هذه الهبات والعطاءات الجزيلة، من: رحمة ومغفرة وعتق من النيران، شحذاً للهمم وللعبادة، ولزاماً علينا أن نحوِّل الفيوضات الربانيَّة التي استقيناها في تلك الليالي الأخيرة إلى مواقف صالحة وشعور إيماني ممتد، وعمل مستمر ودؤوب إلى الخير، والتوجه نحو سبل التوبة والإنابة والإخبات، واستشعار حلاوتها، تلك هي اللياقة الروحية، ترويض النفس البشرية والوصول بها إلى درجة الكمال والخير بعد رمضان، لتتحرّر أعمالنا من ربقة العادة إلى العبادة الخالصة، لا سيما الإخلاص من البواعث التي تسوق المسلم إلى إجادة العمل في كل حياته.
كي نحظى باللياقة الروحية لا بدَّ من الاستمرارية بالطاعات، وخلق الدافعية لممارسة المناسبات الخيرية والمداومة عليها واستغلالها، إذن إنها عملية دؤوبة، لأن مجاهدة النفس لا تنتهي إلا بانتهاء الإنسان، وارتباط نماء الأعمال بالمداومة عليها، واستحضار الأجر، لتكوين الخلق الروحيّ والمسلك المستقيم، في الحديث: ((أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)).
في العيد نتحلّى باللياقة الأخلاقية التي نستمدها من اللياقة الروحية، لأن الصيام ليس منع الشراب والطعام، ولكنه خطوة إلى حرمان النفس من شهواتها ونزواتها، لتصحيح اتجاهات القلب وضبط السلوك، عندما يدعو الله عباده إلى خير، أو ينهاهم عن شر، يجعل الباعث هو الإيمان في القلوب، لهذا فإن تردِّي الأخلاق في المجتمعات مردُّه ضعف الإيمان في النفوس، لهذا أخبرنا نبينا أنه ما من شيء أثقل في ميزان العبد من حسن الخلق. جعل الله الأخلاق الغاية الأولى من بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، حيث اعتبرت ركناً في الإيمان به، والطريق المبين في دعوته بقوله حين قال: "إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، حيث أفضل الأعمال إلى الله وأحبها "حسن الخلق"، وأثقلها في الميزان، وأقرب مجلساً إلى الرسول، صلى الله وعليه وسلم، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم، وغيرها من الفضائل. لهذا رفع الإسلام من قيمة الأخلاق بحيث جعلها من كمال الإيمان، وأن سوء الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه، وسئل الرسول عليه الصلاة والسلام: "أي المؤمنين أكملُ إيماناً؟" قال: "أحسنهم خلقاً".
إن الإلمام بأصول التعامل مع الله، والتعامل الأخلاقي مع الخلق، يحقِّق معاني الكرامة للنفس البشرية، وذلك بالتسامي بالروح والأخلاق للرفع من شأن الإنسان وكرامته، إذا أردنا أن نكون خير أمَّةٍ أخرجت للناس.