لابوبو - (خاص 24) - تصوير الصحافية الصينية تشو جينغ
الجمعة 20 يونيو 2025 / 10:33
أحدثت لعبة "لابوبو" الصينية، التابعة لشركة "بوب مارت"، نقلة نوعية في عالم الترفيه، بعدما حققت مبيعات ضخمة تجاوزت تلك التي حققتها ألعاب شهيرة مثل "باربي" و"أونو" من إنتاج شركة "ماتيل" الأمريكية العملاقة.
ولا يقتصر تأثير "لابوبو" على الجانب الترفيهي فحسب، بل بدأ ينظر إليها كسلاح ثقافي واقتصادي صاعد في يد بكين، يعكس تنامي نفوذ الصناعات الإبداعية الصينية عالمياً، وسط حديث متزايد عن تحولها إلى ظاهرة تتجاوز مجرد لعبة، لتصبح رمزاً للثقافة الشعبية الصينية الحديثة.
في هذا السياق، تقول الكاتبة الصينية ياي شين هوا، الخبيرة في الشأن الاقتصادي، في حديثها لـ "24"، إن هناك مجموعة من العوامل تلخص أسرار نجاح الدمية "القبيحة المحبوبة"، يأتي على رأسها الابتكار في التصميم، وملاءمة الثقافة المحلية، والاستراتيجية التسويقية، إضافة إلى البنية الصناعية القوية الصينية لدعم إنتاجها.

وتشير ياي شين، إلى أن التصميم القبيح اللطيف لـ"لابوبو" المخالف للنمط التقليدي الشعبي جعلها غير مألوفة كلعبة طفولية، وخلق لها معجبين في أوساط الشباب أيضاً ممن يفضلون الفردية وكسر قواعد المظهر التقليدي.
وتسلط الخبيرة الصينية، الضوء على اعتماد علامة "بوب مارت" استراتيجية تسويقية قوية تقوم على "الندرة والإصدارات المحدودة والأشكال المخيفة" لتعزيز شعور المشتري بالمكسب والحصرية، فضلاً عن اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعية وعلى رأسها "تيك توك" وإنستغرام للترويج لها، أعطى إيحاءً بالافتخار والهوية الشخصية.

الانفتاح الثقافي العالمي
توضح ياي شين، أن حرص الشركة المصنعة على طرح "نموذج لابوبو" مخصص لكل بلد، مثل نسخة السياح التايلندية وشكل السيرينا من سنغافورة، جعل المنتج قريباً من المتلقي محلياً مع الاحتفاظ بهويته الأصلية.

وقد اعتمدت الشركة في هذا على قاعدة قوية أساساها "الصناعة والإبداع" بفضل وجود بنية تحتية متقدمة وشغف مستمر نحو الإبداع، حيث تعدّ مدينة دونغقوان في مقاطعة قوانغدونغ جنوبي الصين أكبر قاعدة لتصدير الألعاب في العالم.
وتحتضن المدينة السابقة أكثر من 4000 شركة ألعاب وتوفر أكثر من 70% من إنتاج المنتجات لـ "بوب مارت"، وهو ما سهل انتقال الألعاب الصينية من مرحلة التصنيع إلى الإبداع المستقل وصناعة القيمة.

تصدير الثقافة الصينية
بحسب ياي شين، فقد فتح نجاح "لابوبو"، باباً جديداً أمام تصدير الملكية الفكرية الثقافية الصينية إلى العالم، بعيداً عن الأنماط الشرقية التقليدية أو الرموز المعهودة، حيث تبنّت الشخصية مفهوماً "خارج التصنيف" يتيح لها الانسجام مع مختلف الثقافات الآسيوية والغربية في آنٍ واحد، وهو أمر نادر الحدوث.
ووفق شين، فإن تحقيق هذا التفاعل العابر للثقافات لا يعود فقط إلى التصميم أو التسويق، بل إلى فهم عميق لاتجاهات الاستهلاك العالمية من متحف اللوفر في باريس إلى شوارع شيبويا في طوكيو، حيث أصبحت رحلة لابوبو العالمية تمثل تحولاً في نمط الحوار الثقافي بجانب توسعها التجاري الهائل.

وتصف شين أيضاً، الفترة الحالية لـ "تصدير الثقافة" والتي تُعد "لابوبو" أحد نماذجها بالمرحلة "الأكثر تعقيداً"، لأنها لا تعتمد فقط على الجودة أو التكنولوجيا، بل تحتاج إلى التفاعل الثقافي والتعاطف العاطفي، خصوصاً أن المنتجات غير المعيارية مثل الألعاب ومستحضرات التجميل تفتقر إلى مقاييس واضحة، وتعتمد أكثر على مدى تقبل الجمهور للرموز الثقافية المرتبطة بها.
صراع صيني أمريكي
فاجأت شركة "ماتيل" الأمريكية المنتجة للعبة باربي، التي تقوم على فكرة "الجمال" والأنوثة وتصدير قيم الحرية، العالم خلال يونيو (حزيران) الجاري، بتعاقدها مع شركة OpenAI المالكة لـ "شات جي بي تي"، لتطوير ألعاب ومنتجات مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتهدف هذه الخطوة إلى إطلاق أول منتج ذكي في وقت لاحق من هذا العام، مع جلب سحر الذكاء الاصطناعي إلى تجارب ألعاب مناسبة للفئة العمرية مع الالتزام بالابتكار، والخصوصية، والسلامة.
وبحسب الشركة، فإن هذه الخطوة تأتي في ظل تباطؤ الطلب العالمي على الألعاب، حيث يحجم المستهلكون عن الإنفاق نتيجة التداعيات الاقتصادية لسياسات التجارة المتغيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
غير أن هذه الخطوة جرى الإعلان عنها تزامناً مع سيطرة "لابوبو" الصينية على سوق الألعاب العالمي، حيث سجلت في عام 2024 ارتفاعاً في صافي أرباحها بنسبة 188%، بينما تجاوزت مبيعاتها السنوية 13 مليار يوان صيني (ما يعادل 1.8 مليار دولار أمريكي). هذا بجانب تحقيق قفزة مذهلة في الإيرادات بلغت نسبتها نسبة 726.6%.
في هذا الإطار، أفردت مجلة تشيوشي، التابعة للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، مقالاً مطولاً عن لعبة "لابوبو"، مؤكدةً أن شعبيتها الجارفة تعبر عن تغير أولويات الصين ونجاح استراتيجيتها في التحول من إنتاج السلع منخفضة القيمة إلى مركز للابتكار.

وشددت المجلة على أن اللعبة "قد رسخت منظومة ابتكار قوية" وتعمل بشكل متزايد كحاضنة عالمية تزرع بذور الإبداع الصيني في كل مكان.
عن هذا، تقول شين إن المنافسة بين "بوب مارت" الصينية و"ماتيل" الأمريكية تمثل صراعاً بين القوى الصاعدة والتقليدية في صناعة الألعاب العالمية، وتصفها بأنها معركة بين نموذج "التصنيع والتوزيع" التقليدي، ونموذج "الملكية الفكرية والاستهلاك العاطفي" الجديد، وفي نظرها ستكون الغلبة للنموذج الأخير.

ما هي "لابوبو"؟
تعد لابوبو (LABUBU)، إحدى أبرز الشخصيات الإبداعية التابعة للعلامة الصينية لمنتجات "بوب مارت". وتعود الشخصية الأصلية لـ "لابوبو" إلى سلسلة "ثلاثية الجنيات" التي أبدعها الفنان الصيني لونغ غيا شنغ من منطقة هونغ كونغ الصينية، عام 2015.
ورغم ذلك، فإن لابوبو من خلال أسنانه الحادة وأذنيه المنتصبتين، يحتفظ بالغموض المرتبط بالأساطير الشرقية، ويجمع في الوقت نفسه عناصر من الخيال الشمالي الأوروبي الخاص بجنيات الغابات.

ويعمل في مصنع الشركة ما بين 600 و700 عامل وينتج ما بين 20 و30 ألف قطعة يومياً، لم يتبقَّ لديه مخزون بسبب الطلب المتزايد في أوروبا والولايات المتحدة، وفقاً لما ذكره تطبيق "تشيانغيانغ فيديو" الإخباري الأسبوع الماضي.