الجمعة 5 سبتمبر 2025 / 19:25

هل يمكن لبيلاروسيا أن تخرج من ظل روسيا؟

في ربيع هذا العام، واجه ألكسندر لوكاشينكو أزمة غير متوقعة: لقد نفدت البطاطا في بيلاروسيا.

لم يكن النقص مجرد ضربة لموائد الطعام، بل مسّ رمزاً وطنياً أيضاً، وفق ما يذكره تقرير أناستازيا ستوجناي في صحيفة "فايننشيال تايمز".

وفق التقرير، فالبيلاروسيون يستهلكون البطاطا للفرد الواحد أكثر من أي شعب آخر، لذلك حمل النقص دلالة رمزية كبرى، أشبه ما يكون بنفاد الزيتون من اليونان أو المعكرونة من إيطاليا.

ومع امتلاء وسائل التواصل الاجتماعي بمنشورات حول اختفاء "البولبا" (البطاطا) من رفوف المتاجر، ألقى زعيم بيلاروسيا باللوم على المنتجين الذين سعوا وراء أرباح التصدير بدلاً من البيع في السوق المحلية، فأمر المزارعين بزراعة "ما يكفي لكل من بيلاروسيا وروسيا"، ونصح البيلاروسيين بألا يأكلوا البطاطا سوى مرتين في الأسبوع على الأكثر، وأن يزرعوا محاصيلهم بأنفسهم، كما زعم أنه يفعل بصفته مديراً زراعياً سابقاً في الحقبة السوفييتية.

لكن مع ارتفاع أسعار "الخبز الثاني" في البلاد بنسبة 10% بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار)، لم يكن بالإمكان كبح الاستياء الشعبي إلا جزئياً.

حتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدا متفاجئاً حين أخبره أحد مساعديه خلال اجتماع مع رجال أعمال في أواخر مايو (أيار) أن بيلاروسيا "نفدت منها البطاطا". ابتسم بوتين مرتبكاً وسأل: "نفدت؟ ما هذا؟".

علاقة اقتصادية وطيدة

على مدى عقود، عكست اقتصاديات بيلاروسيا اقتصاد روسيا.

فبالرغم من أن بيلاروسيا تملك القليل جداً من النفط الخام، إلا أن سعر صرفها وإيراداتها الحكومية تأثراً دائماً بتقلبات أسعار النفط، وكانت المنتجات النفطية المكررة من أهم صادراتها.

وبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، انخفض الناتج المحلي الإجمالي لبيلاروسيا تزامناً مع جارتها.

وخلال 31 عاماً من حكمه، برع لوكاشينكو، في المناورة بين الدولة الراعية له روسيا، وبين القوى الغربية.

وعندما بدأت الحرب في أوكرانيا عام 2022، تخلت مينسك عن سياستها الرسمية في الحياد.

ووفق التقرير، أصبحت بيلاروسيا الداعم الرئيسي لروسيا في حربها، إذ وفرت منصة لانطلاق الحرب، حتى أن لوكاشينكو وافق على استضافة أسلحة نووية، رغم سنوات من الإصرار على أنه لن يفعل ذلك أبداً.

أما الروابط القليلة المتبقية مع الغرب فانقطعت.

وفي البداية، تلقى الاقتصاد البيلاروسي ضربة قوية، لكن سرعان ما انتعش بوتيرة لم يشهدها منذ أكثر من عقد، مدفوعاً بالطلب المتزايد من الروس على السلع.

لكن مع طول أمد الحرب، لم يكن نقص البطاطا سوى واحد من المشاكل المتراكمة على اقتصاد يشبه الأنظمة السوفييتية، إذ عانى لوكاشينكو من صعوبة السيطرة على التضخم المرتفع وندرة اليد العاملة.

وفي النصف الأول من عام 2025 تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.1%، وإن ظل أعلى بكثير من مستواه قبل الحرب.

لوكاشينكو بين روسيا والغرب

في العاشر من أغسطس (آب) عام 2020، فاز ألكسندر لوكاشينكو بولاية رئاسية سادسة.

وخرج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع مطالبين برحيله، فيما دعمت موسكو حليفها القديم، إذ أرسل بوتين قوات إلى الحدود، وقدم قرضاً بقيمة 1.5 مليار دولار لإنقاذ اقتصاد بيلاروسيا، وبذلك نجا لوكاشينكو من السقوط بفضل الكرملين، وفق الكاتب.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت مينسك أكثر اعتماداً على موسكو.

فبعد أن كان لوكاشينكو يوازن بين الغرب وروسيا لثلاثة عقود، انقطعت علاقاته مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بحسب التقرير.

وفرضت بروكسل وواشنطن عقوبات واسعة على شخصيات وقطاعات بيلاروسية، ما أغلق أمامه أبواب الغرب نهائياً.

في المقابل، عمقت روسيا نفوذها على الاقتصاد والسياسة في بيلاروسيا، وأعادت شركاتها توجيه صادراتها عبر الأراضي البيلاروسية لتفادي العقوبات، واستثمرت في صناعات محلية، وضخت مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد. وبات لوكاشينكو يعتمد على موسكو أكثر من أي وقت مضى.

لكن مع ذلك، ما يزال الزعيم البيلاروسي يحاول الظهور بمظهر المستقل.

ففي خطابه الأخير أمام البرلمان، شدد على أن بلاده "ليست جزءاً من روسيا"، وقال: "نحن دولة ذات سيادة. نعم، نحن حلفاء، لكننا لا نذوب في أحد".

بيلاروسيا وحرب أوكرانيا

عندما بدأت روسيا الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، لعبت بيلاروسيا دوراً محورياً في العمليات العسكرية، إذ سمح لوكاشينكو للقوات الروسية باستخدام الأراضي البيلاروسية كمنصة انطلاق للهجوم على كييف.

ومع أن الجيش البيلاروسي لم يشارك مباشرة في القتال، اتهم الغرب بيلاروسيا بأنها "متواطئة" مع الحرب، وفرض عقوبات جديدة عليها، زادت من عزلتها الدولية.

وفي صيف 2023، أعلن بوتين نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروسيا، في خطوة أثارت قلق الغرب.

الاقتصاد البيلاروسي تحت ضغط الحرب

في البداية، تلقى الاقتصاد البيلاروسي ضربة قوية مع اندلاع الحرب والعقوبات الغربية، فانكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7% عام 2022.

لكن المفارقة أن الوضع تغير لاحقاً، إذ ارتفع الطلب الروسي على السلع البيلاروسية بسبب انسحاب مئات الشركات الغربية من السوق الروسية، وهو ما خلق فرصاً جديدة أمام مينسك.

ففي عامي 2023 و2024، حقق الاقتصاد البيلاروسي نمواً بحدود 4% سنوياً، وهي أسرع وتيرة نمو يشهدها منذ أكثر من عقد.

وشمل هذا الانتعاش قطاعات متنوّعة: من الصناعات العسكرية التي أمدت الجيش الروسي بالذخيرة والآليات، إلى الصناعات المدنية مثل الأثاث والمواد المنزلية التي ملأت فراغ شركات عالمية غادرت روسيا.

لكن وراء هذه الأرقام المشرقة، تراكمت مشكلات هيكلية خطيرة، أبرزها التضخم المرتفع، إذ قفزت الأسعار بنسبة قاربت 18% في يوليو (تموز) 2022. لمواجهة ذلك، لجأ لوكاشينكو إلى فرض قيود مشددة على الأسعار، اعتُبرت الأشد منذ الحقبة السوفياتية.

 إلا أن هذه السياسة ولدت نتائج عكسية: لجأ التجار إلى التحايل عبر ابتكار طرق جديدة للبيع، مثل دمج السلع في "حزم" واحدة أو تصديرها سراً إلى روسيا بأسعار أعلى.

من جهة أخرى، يعاني سوق العمل من أزمة عميقة. فقد تراجعت أعداد السكان بشكل ملحوظ، إذ خسر البلد أكثر من 250 ألف نسمة رسمياً خلال خمس سنوات، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد المهاجرين الفعليين قد يصل إلى 600 ألف، أي نحو 10% من القوى العاملة.

هذا النقص الحاد في الأيدي العاملة انعكس على قطاعات حيوية وأجبر لوكاشينكو على البحث عن حلول بديلة، مثل اتفاقية استقدام 150 ألف عامل من باكستان في 2025.

المستقبل المعلّق بين روسيا والغرب

مع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الرابع، يجد لوكاشينكو نفسه في وضع بالغ التعقيد، وفق التقرير.

ويرى الكاتب أن لوكاشينكو من جهة يعتمد على روسيا اقتصادياً وعسكرياً للبقاء في السلطة، ومن جهة أخرى يسعى إلى إثبات أن بلاده ليست مجرد تابع للكرملين.

والواقع أن بيلاروسيا ما زالت عالقة بين عالمين: شرق يهيمن عليه بوتين ولا يمكن الفكاك منه، وغرب يفرض العقوبات ولا يمنح الاعتراف، وما لم يتغير ميزان القوى في المنطقة، سيبقى لوكاشينكو يسير على هذا الحبل المشدود، محاولاً النجاة بنظامه، وفق ما ذكر تقرير "فايننشال تايمز".