الأحد 28 سبتمبر 2025 / 17:07

العربية.. نهر الحياة في زمن الشاشات!

كلّما‭ ‬اقتربتُ‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬تأكد‭ ‬لي‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مفردات‭ ‬نحفظها‭ ‬أو‭ ‬تراكيب‭ ‬نردّدها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مرآتنا‭ ‬العميقة،‭ ‬ذلك‭ ‬النهر‭ ‬السري‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬أرواحنا‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النهر،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نمدّه‭ ‬بجداول‭ ‬جديدة،‭ ‬قد‭ ‬ينحسر،‭ ‬ويجفّ‭ ‬عند‭ ‬أبنائنا‭ ‬الذين‭ ‬وُلدوا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬لذلك‭ ‬أجدني‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬إيمانا‭ ‬بأن‭ ‬واجبنا‭ ‬تجاه‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬رعايتها‭ ‬بوصفها‭ ‬تراثا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬جعلها‭ ‬رفيقة‭ ‬لهذا‭ ‬العصر،‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬أدقّ‭ ‬تفاصيله،‭ ‬متصلة‭ ‬بمستقبل‭ ‬أبنائنا‭ ‬اتصالَ‭ ‬الروح‭ ‬بالجسد‭. ‬لقد‭ ‬أردنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملنا‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬أبوظبي‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغتنا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬العالم،‭ ‬وأن‭ ‬تتحرّر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬الضيف‭ ‬على‭ ‬العصر‭ ‬لتصير‭ ‬من‭ ‬صُنّاعه؛‭ ‬لهذا‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬إعلان‭ ‬المشروع‭ ‬الكبير‭ ‬لدائرة‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياحة‭ - ‬أبوظبي‭ ‬مع‭ ‬“أمازون‭ ‬أليكسا”‭ ‬بقيادة‭ ‬مركز‭ ‬أبوظبي‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬لحظة‭ ‬مبهجة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليَّ،‭ ‬شعرت‭ ‬فيها‭ ‬بأنّ‭ ‬العربية‭ ‬تستعيد‭ ‬صوتها‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أوسع‭ ‬المنصات‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬الملايين‭ ‬عبر‭ ‬المساعد‭ ‬الصوتي‭ ‬معجم‭ ‬“دليل‭ ‬المعاني”،‭ ‬أو‭ ‬يكتشفوا‭ ‬الموسوعة‭ ‬الشعرية‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬ينطقوا‭ ‬بأمرٍ‭ ‬صوتي،‭ ‬أو‭ ‬يحلقوا‭ ‬بين‭ ‬آلاف‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬للترجمة‭ ‬أو‭ ‬إصدارات‭ ‬وغيرها،‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬ترفا‭ ‬ثقافيّا،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها‭. ‬لقد‭ ‬تطلعت‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المكتبة‭ ‬العربية‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوحا،‭ ‬لا‭ ‬جدران‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬أبواب،‭ ‬مكتبة‭ ‬تسافر‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسافر‭ ‬إليها‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬انطلق‭ ‬مشروعنا‭ ‬الثقافي‭ ‬الكبير‭ ‬لإنشاء‭ ‬مكتبة‭ ‬رقمية‭ ‬شاملة،‭ ‬تتسع‭ ‬لكل‭ ‬قارئ‭ ‬أينما‭ ‬كان،‭ ‬وتتيح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ينهل‭ ‬من‭ ‬ينابيع‭ ‬الثقافة‭ ‬والفكر‭ ‬والأدب‭ ‬والفنون‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المكتبة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أرشيف‭ ‬رقمي،‭ ‬بل‭ ‬حديقة‭ ‬من‭ ‬الأفكار،‭ ‬ومسرح‭ ‬تلتقي‭ ‬فيه‭ ‬الأجيال،‭ ‬ونافذة‭ ‬تطلّ‭ ‬على‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭ ‬معا‭. ‬

أردنا‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬شغف‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬يظن‭ ‬بعضهم‭ ‬أنه‭ ‬زمن‭ ‬الصورة‭ ‬وحدها،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬الجسر‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬به‭ ‬شبابنا‭ ‬إلى‭ ‬كنوز‭ ‬تراثهم‭ ‬بوسائل‭ ‬عصرية‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬ديوان‭ ‬العرب،‭ ‬فإنني‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬إدخاله‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬المساعدات‭ ‬الصوتية‭ ‬إعادة‭ ‬لإيقاعه‭ ‬الأول،‭ ‬كأنه‭ ‬يعود‭ ‬لينشد‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والمجالس،‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬كوني‭ ‬يسمعه‭ ‬العالم‭ ‬كله‭. ‬تخيّلتُ‭ ‬المستخدمين‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الأرض‭ ‬يستمعون‭ ‬إلى‭ ‬قصائد‭ ‬امرئ‭ ‬القيس،‭ ‬وأبي‭ ‬الطيب‭ ‬بنغمة‭ ‬صوتية‭ ‬سَلِسة،‭ ‬فأدركت‭ ‬أن‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬سحرها،‭ ‬بل‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬قصّرنا‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭ ‬للعصر‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يليق‭ ‬بها‭. ‬تعلمنا‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لبناء‭ ‬المستقبل‭. ‬وقد‭ ‬غرس‭ ‬فينا‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬زايد‭ ‬آل‭ ‬نهيان،‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ - ‬حفظه‭ ‬الله‭ - ‬ومن‭ ‬قبله‭ ‬الأب‭ ‬المؤسس‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ - ‬طيّب‭ ‬الله‭ ‬ثراه‭ - ‬هذا‭ ‬اليقينَ‭ ‬بأن‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬لغته‭ ‬ووعيه‭ ‬وهويته؛‭ ‬ولذلك‭ ‬جاءت‭ ‬مشاريع‭ ‬مركز‭ ‬أبوظبي‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬لتكون‭ ‬ترجمة‭ ‬عملية‭ ‬لهذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬وتعبيرا‭ ‬عن‭ ‬إيماننا‭ ‬بأن‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬حنينا‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬مشروعا‭ ‬للمستقبل،‭ ‬مشروعا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يواكب‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الرابعة‭ ‬ويجد‭ ‬لنفسه‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬طويل،‭ ‬وأن‭ ‬التحديات‭ ‬كثيرة‭: ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬الفكرية،‭ ‬تحديث‭ ‬المحتوى،‭ ‬مواكبة‭ ‬التقنيات‭ ‬التي‭ ‬تتغيّر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬لكننا‭ ‬نؤمن،‭ ‬كما‭ ‬علمتنا‭ ‬القيادة‭ ‬الحكيمة،‭ ‬أن‭ ‬التحديات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمنحنا‭ ‬شغف‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وأنها‭ ‬تدفعنا‭ ‬لأن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬ابتكارا،‭ ‬وأكثر‭ ‬مثابرة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬الأمل،‭ ‬وأكثر‭ ‬استعدادا‭ ‬لعَقْد‭ ‬الشراكات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬لغتنا‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬إنسان،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬

حين‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬أشعر‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أو‭ ‬منصات‭ ‬رقمية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬حلم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬المخطوطات‭ ‬ليعيش‭ ‬في‭ ‬هواتفنا‭ ‬وأجهزتنا،‭ ‬حلم‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬يومية،‭ ‬تسمعها‭ ‬في‭ ‬سيارتك،‭ ‬وتراها‭ ‬في‭ ‬شاشتك،‭ ‬وتقرؤها‭ ‬في‭ ‬كتبك،‭ ‬وتجدها‭ ‬في‭ ‬قصائدك‭ ‬المفضّلة‭ ‬بضغطة‭ ‬زِرّ‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬أريده‭ ‬للغتنا‭: ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬نهر‭ ‬الحياة‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬الروح‭ ‬ويمنحها‭ ‬المعنى،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬صوتا‭ ‬للهوية‭ ‬وحارسا‭ ‬للذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬جسرا‭ ‬نحو‭ ‬الغد،‭ ‬نحو‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيه‭ ‬للغائبين‭. ‬سنواصل‭ ‬المسيرة،‭ ‬واستثمار‭ ‬البيئة‭ ‬الراقية‭ ‬ماديا‭ ‬ومعنويا‭ ‬التي‭ ‬وفرتها‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نزرع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬حبّ‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬وإيمانهم‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬مرافقتهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭. ‬وحين‭ ‬أرى‭ ‬أطفالنا‭ ‬يستمعون‭ ‬إلى‭ ‬القصائد‭ ‬عبر‭ ‬أجهزتهم،‭ ‬أو‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬الكلمات‭ ‬عبر‭ ‬المساعد‭ ‬الصوتي،‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بدأناه‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يؤتي‭ ‬ثماره،‭ ‬وأن‭ ‬العربية‭ ‬تمضي‭ ‬واثقة‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭.‬

أؤمن‭ ‬تماما‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬حين‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬حدودها‭ ‬الضيقة‭ ‬لتسكن‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬البقاء؛‭ ‬لذلك‭ ‬أطمح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬كل‭ ‬هاتف‭ ‬إلى‭ ‬مكتبة‭ ‬صغيرة،‭ ‬وكل‭ ‬تطبيق‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬العربية،‭ ‬وكل‭ ‬طفل‭ ‬إلى‭ ‬راوٍ‭ ‬جديد‭ ‬لقصة‭ ‬قديمة‭ ‬تتجدّد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جيل‭. ‬إننا‭ ‬لا‭ ‬نصنع‭ ‬مشروعا‭ ‬ثقافيّا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬نصنع‭ ‬ذاكرة‭ ‬للمستقبل،‭ ‬ونكتب‭ ‬سطرا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬أُمّة‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تبقى،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬لغتها‭ ‬جَوازَ‭ ‬عبور‭ ‬نحو‭ ‬الغد،‭ ‬لغة‭ ‬تليق‭ ‬بالمستقبل‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬حفظت‭ ‬الماضي،‭ ‬لغة‭ ‬للإبداع‭ ‬والفن‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والجمال‭.‬