الخميس 23 أكتوبر 2025 / 14:38
في مثل هذا الوقت من كل عام، وعلى مدار سبعة وسبعين عاما، تتحول مدينة فرانكفورت إلى ساحة كونية تتجدّد فيها أسطورة الكتاب بوصفه حجر الزاوية في كل نمو وازدهار إنساني، ونقطة البداية لكل حوار قائم على المعرفة التي تسمح للرؤى بأن تتقاطع، وللثقافات بأن تتجاور وللحضارات بأن تتلاقح من أجل خير الإنسانية.
في دورة 2025 من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، واصل هذا المنبر دوره كشاهد وصانع لتحولات الصناعات الثقافية والإبداعية في العالم.
غير أن أكثر ما ميّز دورة هذا العام هو التحوّل في طبيعة حضور الثقافة العربية، وانتقالها من موقع المشاركة الرمزية إلى موقع الفعل والتأثير.
لقد أدركت أبوظبي مبكرا أن الإنسان هو أساس بناء المستقبل؛ لذا سعت للاستثمار في بُنية الهوية، والتحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة، واهتمت بدور الكتاب والثقافة والتراث، وأولت صناعة النشر والصناعات الثقافية اهتماما كبيرا، وحرصت على عقد شراكات استراتيجية مع الجهات الرائدة في هذه المجالات.
وتعد الشراكة بين معرضي أبوظبي وفرانكفورت للكتاب، من أوائل الشراكات العربية في هذا المجال، فقد تأسست في العام 2007، وتواصلت جهودها زهاء عشرين عاما في البناء والتطوير حتى جنت ثمار ذلك صناعةُ معارض الكتاب والصناعات الثقافية العربية كلها، من خلال التأثير الإيجابي القيادي لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي قاد رحلة التحول وأصبح حدثا ثقافيا بارزا ملهما له أثره الفكري والمهني والمعرفي من خلال ما وضعه من أسس وما استحدثه من برامج وأنشطة ومبادرات ذات صلة بقضايا المجتمع المختلفة، ربما أبرزها برنامج ضيف الشرف الذي يستضيف دولة بعينها معرفا بثقافتها وتاريخها، وبرنامج الشخصية المحورية الذي يسلط الضوء على شخصيات أثرت الإنسانية بعملها وإنتاجها، ومبادرة كتاب العالم التي تسعى لإحياء المعرفة بأبرز الكتب التي أغنت الحضارة الإنسانية فكرا وعلما وفلسفة وإبداعا.
لقد كان معرض أبوظبي الدولي للكتاب همزة الوصل التي نجحت بوعي وسعي دؤوب في تحقيق هذه النقلة النوعية في مسيرة معارض الكتاب في العالم العربي؛ فتجلت نتائجها عاما بعد عام لتتألق معها الثقافة العربية في معرض فرانكفورت للكتاب إلى أن صار الحضور العربي في هذه الدورة حضورا مفعما بالحيوية، مؤكدا قدرة اللغة العربية وثقافتها على الإسهام في صناعة المستقبل العالمي.
لم تعد العربية ضيفا في بيت الثقافة العالمية، بل شريكا في صياغة خطابها، مسلّحا بوعيه التاريخي ورؤيته المستقبلية معا.
وانطلاقا من الرؤية المتفردة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، التي جعلت دولة الإمارات نموذجا عالميا للتنمية المستدامة القائمة على المعرفة والابتكار والإبداع، تجلت المشاركة الإماراتية وتميزت وسط المشاركة العربية.
وفي القلب من هذا التميز، برزت مشاركة مركز أبوظبي للغة العربية بتجاوزها حدود التمثيل، والانتقال إلى مفهوم المشاركة الثقافية؛ إذ لا يكتفي المركز بتقديم الكتاب العربي إلى العالم، بل يسعى إلى إعادة صياغة علاقة اللغة العربية بالعالم مستفيدا من كل معطيات العصر من تقنيات وذكاء اصطناعي، مستثمرا الإرث الثقافي والحضاري العربي المذهل، عن إيمان راسخ بأن التراث العربي منجم حي للفكر والفلسفة والعلوم زاخر بكل ما يفيد الإنسانية في مضيها نحو مستقبل أفضل.
لقد انطلق مركز أبوظبي للغة العربية، في مشروعه مستلهما الرؤية الثقافية للعاصمة أبوظبي والمتمثلة في أن على الثقافة العربية أن تغادر موقع الدفاع إلى موقع الفعل، وأن تكتب حضورها في المستقبل بذات الثقة التي كتبت بها تاريخها، وأن الثقافة ليست ترفا، بل أداة للتنمية، وأن اللغة العربية يمكن أن تكون شريكا أصيلا في الاقتصاد الإبداعي العالمي، وأن العمل الثقافي مشروع حضاري منظم، قوامه المعرفة، ومحوره الإنسان وأدواته النشر والترجمة والصناعات الثقافية.
وقد انعكست هذه القناعة على باقة المبادرات والمشاريع التي أعلنها المركز في فرانكفورت هذا العام، ويأتي في مقدمتها مشروع “المكتبة العربية الرقمية” الأكبر من نوعه الذي يقوده مركز أبوظبي للغة العربية بالشراكة مع “أمازون” و “أراب بوك فيرس”، إنه ليس مجرد إعلان عن منصة جديدة، بل هو تحوّل فلسفي في معنى القراءة والنشر والهوية؛ فالمكتبة ليست أرشيفا إلكترونيا، بل رؤية حضارية تؤمن بأن الكتاب العربي لا بد أن يعيش حيث يعيش القارئ، في عالمٍ باتت الشاشات نوافذه اليومية إلى الوعي.
إن هذا المشروع الرقمي يعكس إدراكا عميقا بأن الحفاظ على اللغة لا يتحقق بالتقوقع حول الماضي، بل بالعبور بها إلى المستقبل، وأنّ رقمنة المعرفة العربية ليست تهديدا للكتاب الورقي، بل امتداد له في بعدٍ جديد من التداول والتأثير.
وفي هذا السياق، حملت مشاركة جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرانكفورت عنوانا دالا: “الكلاسيكيات اليوم: رؤى جديدة في الأدب العربي”. ونجحت في أن تكون ساحة فكرية مفتوحة، التقى فيها أساتذة من أبرز جامعات العالم؛ ليطرحوا سؤالا مركزيا: كيف يمكن للأدب العربي القديم أن يظلّ حيا في مناهج جديدة؟ إنها محاولة لإعادة قراءة التراث بوصفه منتجا إنسانيا متجددا، لا مجرد ماضٍ نحفظه أو نتباهى به، بل مرجعا معرفيا لصياغة فكر الإنسان المعاصر في حركته نحو المستقبل.
وفي جلسة أخرى نظمها مشروع كلمة للترجمة بعنوان “القصص المصوّرة في العالم العربي: من الهامش إلى الواجهة”، بدا المشهد أكثر شبابية وجرأة. كانت هناك محاولة واعية لربط الإبداع العربي الجديد بوسائطه الحديثة، والتأكيد أن اللغة العربية قادرة على مخاطبة الحس البصري والرقمي لجيلٍ جديد يعيش بين الصورة والكلمة في آنٍ واحد.
ومن ضمن المبادرات النوعية التي أطلقها المركز من فرانكفورت مبادرة “من كلمة إلى العالم”، الهادفة إلى ترجمة نخبة من الأعمال الإماراتية والعربية إلى أبرز اللغات العالمية.
وتتبنى المبادرة ترجمة مختارات من أمهات الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة في الأدب والفكر العربي إلى أبرز لغات العالم، لتكون امتدادا لإرث مشروع “كلمة” الذي أثرى المكتبة العربية بحوالي ألفي كتاب مترجم من معظم لغات العالم في الكثير من المعارف والقيم.
إن هذه المبادرة خطوة مهمة لبناء جسور مستدامة للحوار الثقافي، وتعزيز التفاهم المتبادل مع مختلف الثقافات حول العالم، وإبراز قيمة الإنتاج العربي الأدبي والفكري على الساحة الدولية؛ ففضلا عن كونها توفر مختارات إبداعية من العناوين العربية، تولي أهمية خاصة لجودة الترجمة ودقتها؛ لضمان نقل الآداب بأصالتها، وتعدّد أصواتها، والإسهام في تقديم صورة أكثر واقعية وتنوعا عن العالم العربي في سياق الوعي العالمي، بما يضمن تعزيز الحوار، والتلاقي بين الشعوب.
كما نظم المركز جلسة حوارية مميزة في فكرتها وتناولها بعنوان “كيف يقرأ شباب الإمارات وألمانيا؟” ناقشت أوجه التشابه والاختلاف في عادات القراءة لدى الشباب في دولتي الإمارات وألمانيا.
لقد اتسمت دورة هذا العام من معرض فرانكفورت، بتجاور الأصوات واللغات وكثرة الكتب وازدحام الزوار، في حالة منشودة من المثاقفة الخلّاقة بين اللغات والتجارب تألق وسطها الكتاب العربي الذي صار أكثر حضورا وثقة من أي وقتٍ مضى، وهذا بفضل الكثير من المشاريع البارزة التي يضطلع بها الحريصون على تجديد الهوية الثقافية العربية، الذين نفخر بأن تكون الإمارات في مقدمتهم، وأن يكون مركز أبوظبي للغة العربية من ضمن نخبتهم البارزة بمشاريعه النوعية التي تستفيد من أحداث مستجدات العصر وفي صدارتها الذكاء الاصطناعي.