الخميس 27 نوفمبر 2025 / 13:42
تشهد الساحة الإيرانية نقاشات واسعة بين النخبة السياسية تجاه فكرة الحوار مع الولايات المتحدة الإمريكية، وإذا ما كان الحوار يمثلُ القناة الأقوم والأقل كلفة لحل الخلافات؟ وهل من الأفضل أن يكون عبر طرف ثالث أو مباشراً دون وسائط؟
هنالك رسائل علنية وُجهت إلى الرئيس مسعود بزشكيان، دعت إلى استثمار "النافذة الاستراتيجية" للتفاوض مع الولايات المتحدة، كالتي نشرها الدبلوماسي السابق حميد أبو طالبي عبر حسابه الشخصي بمنصة "إكس"، مشدداً فيها على "عدم السماح للضغوط الداخلية أو سوء التقديرات بأن تحرم البلاد من هذا الانفتاح الدبلوماسي" مضيفاً "هذا مسار يتعيّن على كل المخلصين دعمُه" لأن "مستقبل الأمن القومي لإيران واستقرار المنطقة، اليوم أكثر من أي وقت، مرتبطان بجودة اتخاذ القرار في هذه اللحظة".
أبو طالبي يرى أن الخروج من الانسداد السياسي لا بد أن يتم عبر الحوار المباشر والجاد بين طهران وواشنطن، وهو في ذلك يتبنى خياراً يعارضه التيار "المتشدد" الذي زاد منسوب توجسه تجاه السياسات الإمريكية، خصوصاً بعد الضربات العسكرية التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني. فهذا التيار لا يزال ينظر للولايات المتحدة بوصفها "الشيطان الأكبر" متكئاً على موقف عقائدي متصلب، زاد من رسوخيته الحرب التي وقعت بين طهران وتل أبيب!
شخصيات كالرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، ترى ضرورة تفعيل خيار التفاوض مع واشنطن باعتباره "مصلحة وطنية" لا مجرد تكتيك عابر، وهي في موقفها هذا تتمايز عن خيارات مرشد الثورة علي خامنئي!
الرئيس روحاني الذي ارتبط اسمه بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، صرح مؤخراً بأن خفض التوتر مع الولايات المتحدة عبر المفاوضات "واجب ومسؤولية" متى ما خدم ذلك المصلحة الوطنية والأمن القومي، مؤكداً أنه "كلما كان التفاوض مفيداً للبلاد، ينبغي أن نتحدث".
هذا الخطاب يعيد إحياء منطق "التفاعُل مع العالم" الذي تبنته حكومته في مواجهة رؤية "التيار الأصولي" التي ما زالت تتحفظ على التفاوض مع واشنطن، معتبرة أن لا نتائج ترجى منه!
محمد جواد ظريف، بوصفه مهندس الاتفاق النووي، يذهب خطوة أبعد في تبرير التفاوض مع إدارة ترمب نفسها. ففي ندوة بالعاصمة طهران اعتبر أن التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي ممكن شريطة أن يحفظ "كرامة إيران" ويُراعي في الوقت نفسه "هواجس الرئيس الأميركي واعتباراته"، معتقداً أن إنهاء حالة العداء يتطلب صفقة مدروسة لا انكفاءً عن الدبلوماسية.
هذا الرؤية مردُها أن ظريف يؤمن بـ"الدبلوماسية" وأن تقويض المفاوضات بعد حرب الأيام الـ12 مع إسرائيل أضر بصورة الحوار داخل إيران، بحسب الوزير ظريف؛ والذي لا ينكر كلفة "الحوار" لكنه يرى أن البديل سيكون اتساع دائرة الحرب، وعدم القدرة على ضبطها، مما سيضر بالاقتصاد الإيراني والأوضاع المعيشية التي هي بالأساس تزداد صعوبة!
إذا نظرنا إلى "رئاسة الجمهورية" سنجد الرئيس مسعود بزشكيان يمثل اليوم الامتداد المؤسسي لهذا التيار، مع فارق أساسي يتمثل في التزامه العلني بسقف المرشد الأعلى علي خامنئ، لرغبته في حفظ التوازنات وعدم الدخول في صراع علني مع المرشد.
بزشكيان في خطاب سابق له أمام الجمعية العامة لـ"الأمم المتحدة" أعلن استعداد بلاده "لإنهاء المواجهة النووية" والانخراط مجدداً مع أطراف اتفاق 2015، على أساس تنفيذ الالتزامات "بشكل كامل وبحسن نية" وفتح الباب لاحقاً لـ"حوار حول ملفات أخرى".
في المقابل، هنالك تصريحات علنية من الرئيس دونالد ترمب الذي قال إن "إيران تريد عقد صفقة، بل تريد ذلك بشدة" مضيفاً أنه "منفتح تماماً" وأن بلاده "تتحدث مع الإيرانيين وبدأت مساراً".
رغم إيجابية ذلك، إلا أنه يجب التنبهُ إلى أن مفتاح نجاح أي مسار تفاوضي لا يكمن فقط في بنود الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، بل في قدرة طهران على بناء ثقة حقيقية مع دول الخليج العربي. فالدعم الخليجي هو ما يحول التفاهم الأميركي – الإيراني من هدنة مؤقتة إلى جزء من بنية إقليمية أكثر استدامة. ولأجل ذلك، ينبغي على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإلتزام التام بمبادئ حُسن الجوار واحترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف رعاية الخلايا النائمة والميليشيات المسلحة، وضمان سلمية البرنامج النووي، وألا تكون القدرات الصاروخية الإيرانية مصدر تهديد لعواصم الخليج العربي، وأن تحل مشكلة الازدواجية في الخطاب بين المؤسسات الرسمية و"الحرس الثوري" الذي تشكل نشاطاته الخارجية تهديداً للأمن الإقليمي.
ما تدعو إليه النخب الإيرانية، من روحاني وظريف وأبو طالبي وسواهم، ليس استسلاماً لإملاءات خارجية كما يصور ذلك التيار "الأصولي"، بل إعادة تعريف لمفهوم "الدولة" بحيث تكون سياساتها الخارجية ملتزمة بالقوانين الدولية وقادرة على طمأنة الجوار الإقليمي، وتحويل الخصومات المزمنة إلى تفاهمات قابلة للحياة، والخروج من سكونية خطاب "الثورة" وتصديرها، الذي كلف الشعب الإيراني وشعوب المنطقة الكثير من الأكلاف الباهظة!