اخلاص فرنسيس وإيمان الهاشمي وحسام الدين سمير (24)
اخلاص فرنسيس وإيمان الهاشمي وحسام الدين سمير (24)
الأربعاء 21 يناير 2026 / 16:27

24 يناقش القضية الشائكة.. هل يهدد الذكاء الاصطناعي الإبداع الإنساني؟

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الإبداع الإنساني؟.. يناقش موقع 24 هذا المحور مع عدد من المبدعين، الذين يتطرقون في التقرير التالي إلى ماهية النصوص والصور المولدة آلياً وحقوق الملكية الفكرية، وموقف التشريع العربي من ذلك. 

تقول الكاتبة والملحنة الإماراتية إيمان الهاشمي: "أثار التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي جدلًا واسعًا حول تأثيره على جوهر الإبداع الإنساني، لا سيما مع الانتشار الكبير للنصوص والصور المولّدة آليًا، ويكمن السؤال الحقيقي هنا في: هل نحن أمام تهديد للإبداع، أم أمام تحول في أدواته حقاً؟".
وأضافت إيمان الهاشمي بقولها: "من خلال تجربتي الأكاديمية والبحثية، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال – تخصص إدارة المشاريع، وقد تناولت أطروحتي أثر الذكاء الاصطناعي على إدارة المشاريع، تبيّن لي أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الدور الإنساني، بل يعيد تعريفه، فهو أداة تحليل وتسريع ودعم للقرار، ولكنه يظل عاجزًا عن استبدال الحس الإبداعي والحدس والسياق الثقافي، والقيم الإنسانية التي تشكّل جوهر الإبداع الحقيقي".

وتضيف: "في مجال الإنتاج الإبداعي، تُظهر النصوص والصور المولدة آليًا قدرة عالية على المحاكاة، لكنها في حقيقتها تعتمد على بيانات بشرية سابقة، ما يفتح بابًا حساسًا يتعلق بحقوق الملكية الفكرية ونسب الإبداع، ومن هنا تبرز الإشكالية القانونية والأخلاقية، خصوصًا في ظل غياب تشريعات عربية واضحة تنظم ملكية المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي".
وتابعت: "أرى أن التحدي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الإطار التشريعي الناظم لها. فالمطلوب اليوم تشريعات عربية مرنة تحمي المبدع الإنساني، وتحدد المسؤولية القانونية، دون أن تعيق الابتكار أو التطور التقني. فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للإبداع الإنساني، بل مرآة تعكس وعينا بكيفية استخدامه، فحين يقوده الإنسان بالقيم والمعرفة، يتحول من تهديد محتمل إلى شريك ذكي في صناعة المستقبل".

الارتقاءِ المعرفيّ والتَّآكُل الإدراكيّ

ويقول الدكتور المصري حُسَام الدِّين سَمِير، أكاديمي بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية،: "نَقِفُ اليومَ على عتبةِ تحوُّلٍ حضاريٍّ لا يَقِلُّ في أَثَرِهِ وعُمْقِهِ عن اختراعِ الكِتَابَةِ أو اكتشاف الطِّباعة؛ إنَّه عهد "الذَّكاء الاصطناعيّ التَّوليديّ"، الذي لم يَعُد مجرد أداةٍ مساعِدة، بل بات شريكًا معرفيًّا قادرًا على المحاكاةِ والتَّركيب والإنشاء. هذا الواقعُ الجديد يفرضُ علينا، بوصفنا مُؤْتَمَنِين على الفِكر والمعرفة، أنْ نطرحَ أسئلةً جوهريَّةً تتجاوزُ الانبهارَ التّقنيّ السَّطحيّ إلى الغَوْصِ في التَّأثيرات البنيويَّة العميقة على أثمن ما يمتلكه الإنسان: قدرته على التَّفكير، فالإشكاليةُ المحوريَّة التي تتناولها هذه السُّطُور لا تدور حول كفاءةِ هذه النُّظُم، بل حول طبيعةِ العَلاقَةِ التَّفَاعليَّة بينها وبين المَلَكَاتِ العقليَّة العُليا للأجيال النَّاشئة، وتجلياتها في ميزانِ المصداقيَّة والأمانة العِلميَّة، وآفاق المستقبل المُمْكِن".

ويضيف: "المنطقَ يقتضي أنَّ كلَّ أداةٍ تُوَفِّرُ جهدًا ذِهنيًّا بالغًا تحملُ في طيَّاتها خطر إضعافِ العضلة العقليَّة التي كانت مسؤولةً عن ذلك الجهد، وهنا تكمنُ نواة الخطر في الاعتمادِ غير المُرَشَّد على الذَّكاءِ الاصطناعيّ، والذي يتجلَّى في 3 أبعادٍ رئيسة: إنَّ عمليةَ التَّفكير المنهجيّ ليست مجرد الوصول إلى نتيجةٍ، بل هي رحلةٌ مِنْ بناءِ الفرضيَّات، وجمع الأدلَّة، والمقارنة بينها، والاستدلال المنطقيّ، ثم استخلاص النَّتائج، فعندما يقدِّمُ الذَّكَاءُ الاصطناعيُّ إجاباتٍ جاهزةً ونَصًّا مُرَكَّبًا بضغطة زِرّ، فإنَّه يختزلُ هذه الرِّحلة المعرفيَّة الشَّاقَّة، ويحرم العقلَ النَّاشئَ مِنْ فُرصَةِ التَّدرُّبِ على الصَّبْرِ الفِكْرِيّ والتَّحَمُّل المنهجيّ، حينئذٍ يُصْبِحُ المستخدِمُ مُستهلِكًا للمعلومةِ النّهائيَّة لا مُنتِجًا لها؛ مما يُؤدِّي بمرور الزَّمن إلى ضُمورِ القُدرةِ على تفكيكِ المشكلات المعقَّدَة، وتقييم الحُجَج المتضاربة، وبناء نسقٍ فِكريّ مُسْتَقِلّ ومُتَمَاسِك، إنَّنا نخشى نُشُوءَ جِيلٍ يُتْقِنُ "فنّ صياغةِ السُّؤال" Prompt Engineering لكنَّه يَجْهَلُ "آليَّات بناءِ الجَواب".

ويتابع: "إنَّ الحِكْمَةَ تقتضي عدم النَّظر إلى الظَّاهرة مِنْ زاويةٍ واحِدة، فكما أنَّ للذَّكاء الاصطناعيّ مخاطره، فإنَّ له إيجابيات إستراتيجيَّة يمكن، إذا ما أُحْسِنَ استغلالها، أنْ تمثل قفزةً نوعيَّةً في مسيرة المعرفة الإنسانيَّة".

وتقول الأديبة اللبنانية إخلاص فرنسيس: "يُعدّ الذكاء الاصطناعي من أبرز سمات المجتمع الحديث، إذ ارتبط تطوّره بوظائف متعددة وتغييرات متسارعة شملت مختلف المجالات، ومن أكثر القضايا إثارة للجدل في هذا السياق علاقته بالإبداع البشري، حيث امتد تأثيره إلى الكتابة، والتحليل، والرسم، والشعر، والنقد، والموسيقا، طرحت أسئلة جوهرية حول طبيعة الإبداع وملكيته. فالذكاء الاصطناعي في جوهره نتاج الإبداع البشري؛ الإنسان صنعه، والذكاء الاصطناعي هو الأداة أو منتج، ومن هنا تبرز ضرورة إخضاع هذه التكنولوجيا لإرادة الإنسان وتنظيماته القانونية، بوصفها وسيلة مساعدة ومخزونًا معرفيًا يمكن الاستفادة منه، لا بديلًا عن المبدع البشري". 

وتضيف: "يعمل الذكاء الاصطناعي وفق منهجية توليفية تجمع بين مدخلات الإنسان وقدرات الآلة الحسابية؛ إذ يقدّم الإنسان الأفكار والرؤية والحدس والفهم الثقافي والعاطفي، بينما تعيد الخوارزميات تشكيل هذه المدخلات لإنتاج مخرجات جديدة. وهنا يبرز السؤال: من يمتلك الفكرة، ومن تعود إليه الحقوق الرقمية؟ وبالتالي فإن الحدود الفاصلة بين الذكاء الاصطناعي والمستخدم له معقدة إلى حد كبير، وتتطلب وضع معايير وأطر تشريعية لحدود الاستخدام وطرقه، بحيث يكون أقرب حالة من حالات الاستعانة والنقل من المراجع العلمية وحتمية الإشارة لها، ورغم ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات غير مسبوقة في دعم العملية الإبداعية، فإنه لا يخلو من المخاطر، ما يثير تساؤلات حول الثقة في مصداقية الإنتاج الإبداعي."

 وتختم فرنسيس: "يزداد هذا التعقيد في ظل اختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمستخدمين، الأمر الذي يجعل تنظيم حقوق الملكية الفكرية تحديًا ملحًا، في السياق العربي".