مسلحون من قسد وجنود أمريكيون في سوريا قبل التخلي عن الأكراد (أرشيف)
الأحد 25 يناير 2026 / 13:25
كانت الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا نموذجاً سياسياً يحتذى به عند الأكراد حول العالم، وبارقة أمل في سعيهم لإقامة دولتهم. لكن مع هجوم قوات الحكومة السورية أصبحت الإدارة الذاتية المعروفة بـ "روج آفا" التي تعني بالكردية الغرب، في إشارة إلى غرب كردستان، اليوم على شفا النهاية. فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ وماذا يعني ذلك لموازين القوى في سوريا الجديدة؟
يعد الأكراد أحد أكبر شعوب العالم، لكنهم بلا دولة، ويقدر عددهم بنحو 35 مليون نسمة، رغم أن لا أرقام دقيقة عنهم. ويعيشون أساساً في تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا، حيث يشكلون أكبر أقلية عرقية. وقد تعرضوا للتمييز حتى عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وكان الكثير منهم محروماً من الجنسية السورية.
وفي الحرب الأهلية السورية، قاتل الأكراد مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم داعش، وتمكنوا من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، حيث أنشأوا إدارتهم الذاتية. وفي العراق أيضاً توجد منطقة ذات حكم ذاتي، يسيطر عليها الأكراد، في إقليم كردستان.

ما الذي يحدث الآن؟
يبدو اليوم أن مشروع تقرير مصير الأكراد في سوريا، يوشك على الانهيار. فقد تقدمت قوات الحكومة السورية في الأيام والأسابيع الماضية بسرعة في مناطق سيطرة الأكراد، ودفعت دمشق "قوات سوريا الديمقراطية" المعروفة اختصاراً بقسد، التي يقودها الأكراد، والتي تعد الذراع العسكرية للإدارة الذاتية، إلى التراجع المستمر. ويسود الآن وقف لإطلاق النار. وقد حصل الأكراد على مهلة 4 بـ أيام لإعداد خطة لدمج مزيد من المؤسسات الكردية في أجهزة الدولة، وهي المهلة التي كان يُفترض أن تنتهي مساء أمس السبت، لكن قسد طلبت تمديدها.
واتفقت الحكومة الانتقالية في دمشق والقيادة الكردية في الأصل في مارس (آذار) الماضي، على دمج المؤسسات الكردية، إلا أن الاتفاق لم ينفذ قط. وفي النهاية، لجأت دمشق إلى الحسم العسكري، وفرضت سيطرتها على مناطق متزايدة، لتوحيد البلاد تحت حكومة مركزية بعد سنوات من الانقسام.

دور الولايات المتحدة
ويرجع التقدم السريع لقوات الحكومة في الآونة الأخيرة، بشكل أساسي، إلى إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها في المنطقة. وقال الخبير العسكري رياض قهوجي، إن "واشنطن لديها شريك جديد في دمشق"، ففي حين اعتمدت الولايات المتحدة في عهد الأسد على قوات سوريا الديمقراطية شريكاً على الأرض، أصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى في الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع شريكاً استراتيجياً.
وأوضح توم براك، مبعوث ترامب الخاص، الأمر بجلاء، إذ كتب أخيراً على إكس أن "الغرض الأصلي من وجود قسد، باعتبارها القوة الرئيسية في محاربة داعش على الأرض، قد انتهى، وأن دمشق باتت مستعدة وقادرة على تولي مسؤولية الأمن".
من جانبهم، يشعر ممثلو الأكراد بأن واشنطن تخلت عنهم. وذهب بعض المراقبين إلى القول إن الولايات المتحدة "باعت" الأكراد، حيث تسعى إدارة ترامب إلى تطبيع العلاقات بين سوريا وحليفة واشنطن إسرائيل. وحسب مصادر كردية، فإن الولايات المتحدة غضت الطرف عن تقدم القوات السورية ضد الأكراد. وفي المقابل، تردد أن الرئيس الانتقالي الشرع قد يوافق على الانخراط في عملية سلام مع إسرائيل التي تعد عدو سوريا حتى الآن. ولا توجد معلومات رسمية تؤكد ذلك.

ماذا عن تركيا؟
كانت تركيا ولا تزال عاملاً حاسماً في المشهد السوري. فهي حليف وثيق للقيادة في دمشق، وتنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية، بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني "بي كيه كيه" المحظور، والذي تصنفه منظمة إرهابية، وتجابهه منذ عقود، كما شنت تركيا عدة مرات هجمات مباشرة على مواقع لقسد في سوريا.
وكان الدعم الأمريكي لقسد على مدار سنوات سبباً في توتر العلاقة بين أنقرة وواشنطن، وذلك قبل أن تتلاقى مصالحهما في سوريا الآن، حسب قهوجي.
وعندما استقبل ترامب الرئيس السوري الانتقالي الشرع في واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني)، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حاضراً أيضاً. وأشارت تقديرات الخبير العسكري إلى توضيح المصالح والتوصل إلى موقف مشترك. ووفق وسائل إعلام تركية، دعمت أنقرة تقدم الجيش السوري ضد قسد بعدة طرق، بينها تقديم معلومات استخباراتية. وأفادت هذه الوسائل بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تابع التطورات عن كثب، وأعلن بنبرة تملؤها روح الانتصار أن "عهد الإرهاب في منطقتنا قد انتهى".
الأكراد الآن
قال المحلل المتخصص في الشأن الكردي لاوك غفوري، إن أكراد سوريا باتوا اليوم في "سجن سياسي". وأضاف أن "القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن مستقبلهم"، وأن الطريق الوحيد هو الحوار مع دمشق، مشيراً إلى أن مستقبل الأكراد، بات يعتمد الآن على كيفية تعامل دمشق معهم في الأشهر والسنوات المقبلة.
ورغم أن الرئيس الشرع أبدى مراراً في الأشهر الماضية استعداده لمنح الأكراد حقوقاً أوسع، فإن قيادة الأكراد لا تثق في الحكومة السورية، وترى في القيادة الجديدة بدمشق شكلاً من أشكال الامتداد لتنظيم داعش، وتتهمها باستخدام "أساليبه الوحشية".
وفي المقابل، يحتفل سكان آخرون في مناطق الإدارة الذاتية للأكراد بحملة الحكومة السورية ويعتبرونها "تحريراً" ، إذ إن هذه المناطق لا يقطنها الأكراد وحدهم، بل يعيش فيها أيضاً عرب، ومجموعات عشائرية. ويقول مضر الأسد، المتحدث الرسمي باسم العشائر السورية، إن هؤلاء السكان كان يشعرون بالتمييز، تحت السيطرة الكردية وكانوا يجبرون على القتال في صفوف قوات سوريا الديمقراطية.