تأثير السينما على الاقتصاد (خاص 24)
تأثير السينما على الاقتصاد (خاص 24)
الخميس 12 فبراير 2026 / 09:26

خاص| لغة المليارات.. كيف تصنع السينما إمبراطوريات اقتصادية وتنعش علامات من الإفلاس؟

لم تعد السينما مجرد وسيلة للترفيه أو منصة لسرد الحكايات، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى أداة اقتصادية وتسويقية فائقة التأثير، قادرة على تغيير خريطة الأسواق وإعادة إحياء علامات تجارية مهددة بالاختفاء، أو دفع صناعات كاملة إلى صدارة المشهد العالمي.

ومع تصاعد ظاهرة "الترويج عبر الظهور داخل الأعمال الفنية" أو ما يُعرف بـ "Product Placement"، باتت الشركات العالمية تستثمر ملايين الدولارات لضمان ظهور منتجاتها داخل الأفلام، مُستفيدة من التأثير النفسي والعاطفي الذي تخلقه الشخصيات السينمائية لدى الجمهور، فضلاً عن رغبتهم في تقليد نجمهم المفضل في الملبس والمآكل والرفاهية، ما يؤثر إيجاباً على قرارات الشراء.

السينما سوق تسويق ضخم

في هذا الشأن، يقول الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد الدولي، في حديث خاص لـ 24، إن السينما بجانب كونها إحدى أبرز أدوات "القوة الناعمة" للدول، فهي تُحقق عوائد اقتصادية مباشرة لها عبر دعم الصناعات والعلامات التجارية بظهورها في الأعمال الفنية.

ويلفت العمدة إلى أن التطور التكنولوجي وانتشار المنصات الرقمية قد عظما من قوة الإنتاج السينمائي بجعله أداة أكثر تأثيراً في الترويج للدول ومنتجاتها، مستشهداً بمهرجانات وأعمال سينمائية تحولت إلى منصات ثقافية واقتصادية ضخمة عابرة للحدود، تُعزز الصورة الذهنية للدول وتجذب الاستثمارات والسياحة.

ويضرب أستاذ الاقتصاد، مثالاً بفيلم "المهمة الإيطالية The Italian Job" الصادر عام 2003، باعتباره أحد النماذج البارزة للترويج لصناعة السيارات، حيث تسبب في تحقيق مبيعات قوية لسيارة "Mini Cooper" التي تتبع حالياً العلامة التجارية الألمانية الشهيرة "بي إم دبليو"، لافتاً إلى أن ظهورها في العمل كان هدفاً تسويقياً ضمنياً.

كما تشير الإحصاءات التي نشرها "دليل المفكرين الزائدين"، إلى أن مشاهد المطاردات التي نفذها نجوم هوليوود مارك والبيرغ، وجيسون ستاثام، وإدوارد نورتون، وتشارليز ثيرون، وغيرهما بسيارة "ميني كوبر" التي شكلت عنصر الجذب الأساسي للفيلم، قد وقفت خلف زيادة مبيعاتها في العام التالي لعرض العمل بنسبة 22%.

ويشير العمدة، إلى سلسلة أفلام "رامبو" الأمريكية باعتبارها مثالاً آخر على هذا التأثير، إذ سعت نحو ترويج الصناعات العسكرية الأمريكية، لاسيما إبرازها مدفع رشاش "M60"، وسكين النجاة، وغيرها مع إضفاء طابع بطولي حركي على البطل الذي يستخدم هذه الأسلحة الفريدة للتغلب على خصومه.

صعود كبير في المبيعات بعد العرض 

فضلاً عن الأمثلة السابقة، باتت العديد من التجارب الواقعية تقدم دليلًا واضحاً على حجم التأثير الاقتصادي للسينما على المنتجات والعلامات التجارية، حيث تُعد نظارات "Ray-Ban Wayfarer" واحدة من أشهر الأمثلة على قدرة السينما على إنقاذ علامة تجارية مهددة بالتراجع. 

في أوائل الثمانينيات، كانت شركة "بوش آند لومب" المالكة للعلامة تدرس إيقاف إنتاج هذا الطراز نتيجة انخفاض المبيعات، لكن ظهور النظارات في فيلم "Risky Business" عام 1983، وقد ارتداها خلاله الممثل "توم كروز"، أحدث تحولًا جذرياً في السوق.

ارتفعت مبيعات النظارة من نحو 18 ألف قطعة سنوياً إلى 360 ألف قطعة خلال عام واحد بعد عرض العمل، وبحلول عام 1986 وصلت المبيعات إلى 1.5 مليون قطعة، أي زيادة تجاوزت 20 ضعفاً خلال سنوات قليلة، وفق "سي بي سي".

كما ساهم ظهور كروز مرة أخرى في فيلم "Top Gun" عام 1986 في رفع مبيعات نظارات "Aviator" من نفس العلامة "راي بان" بنسبة 40% خلال سبعة أشهر فقط من عرض الفيلم.

تؤكد مجلة "فاريتي" أن فيلم "Transformers" الصادر عام 2007، كان سبباً رئيسياً في صعود سيارة "شيفروليه كامارو"، حيث باعت شركة جنرال موتورز بعد عرضه، أكثر من 60 ألف سيارة كامارو عام 2009، ثم 80 ألف سيارة عام 2010، فضلاً عن ارتفاع مبيعات الطراز الأصفر الذي ظهرت في العمل بنسبة 10% رغم أن هذا اللون كان يمثل أقل من 5% من المبيعات سابقاً.

بجانب السابق، تُعد سلسلة أفلام "جيمس بوند" من أكثر النماذج استدامة في توظيف السينما للترويج للعلامات التجارية، خصوصاً سيارات "Aston Martin" التي أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للشخصية.

وبحسب تقارير إعلامية، ارتفعت طلبات الشراء والاستفسارات عن السيارة بنسبة تصل إلى 300% بعد ظهورها في أفلام السلسلة، خاصة الطراز "DB5" الذي ظهر لأول مرة في فيلم "Goldfinger" عام 1964 واستمر ظهوره في عدة أجزاء لاحقة، لتتخذ الشركة قراراً في أغسطس (آب) عام 2018 لإعادة إنتاج 28 سيارة من النسخة القديمة الأسطورية بتكلفة 3.3 مليون جنيه إسترليني لكل سيارة لبيعها في مزادات علنية جراء شهرتها.

من الترويج للمنتجات إلى دعم الصناعات

لا يقتصر التأثير السينمائي على الترويج لسلع بعينها، بل يمتد إلى تنشيط صناعات كاملة، فعلى سبيل المثال، ساهمت سلسلة أفلام "Fast & Furious" في تعزيز ثقافة تعديل السيارات وزيادة الطلب على قطع الغيار والإكسسوارات المرتبطة بهذا القطاع، كما عززت حضور علامات سيارات مثل نيسان وتويوتا ودودج وشيفروليه لدى فئة الشباب عالمياً.

وفي قطاع الأزياء، لعب فيلم "The Devil Wears Prada" الصادر عام 2006، دوراً بارزاً في تسليط الضوء على صناعة الموضة الفاخرة وتعزيز صورتها الثقافية والتجارية عالمياً. فيما وثّق فيلم "BlackBerry" الذي جرى عرضه في عام 2023، قصة صعود وسقوط أحد أبرز الهواتف الذكية في التاريخ "بلاك بيري".

وتناول فيلم "Tetris" الصادر في نفس العام السابق، الصراع للحصول على حقوق اللعبة التي باعت أكثر من 520 مليون نسخة عالمياً، محققة مئات الملايين من الدولارات خلال فترة قصيرة، وفق بيانات الشركة المنتجة.