الخميس 5 مارس 2026 / 23:34
وسط تصعيد عسكري تشهده المنطقة وتداعياته المحتملة على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، يبرز الاقتصاد الإماراتي كأحد أكثر اقتصادات المنطقة قدرةً على الحفاظ على الاستقرار ومواصلة النشاط الاقتصادي، مستنداً إلى أسس تنموية قوية وسياسات اقتصادية مرنة تعزز قدرته على التعامل مع مختلف التحديات.
وأكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، خلال مقابلته الأخيرة على سكاي نيوز عربية، أن الأسس التي قامت عليها مسيرة التنمية في دولة الإمارات قوية وصلبة، ما يجعلها قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية المرتبطة بالمرحلة الحالية رغم صعوبة الظروف الإقليمية.
استقرار ومخزون إستراتيجي
في المقابل، أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة، استقرار الأسواق في الدولة وتوافر مخزون إستراتيجي من السلع الأساسية يغطي احتياجاتها لعدة أشهر، مع استمرار حركة الاستيراد وفق الخطط المعتمدة دون مؤشرات على أي اضطرابات في سلاسل التوريد، إلى جانب متابعة يومية للمخزون والأسعار بما يضمن استقرار الأسواق وتوافر السلع في مختلف إمارات الدولة.
كما تشير المؤشرات المالية إلى متانة القطاع المصرفي في الدولة، حيث تبلغ نسبة كفاية رأس المال نحو 17%، فيما يتجاوز معدل السيولة 146.6%، وهي مستويات تفوق المتطلبات الرقابية التي توصي بها الهيئات والمنظمات الدولية.
وتواصل المؤسسات المصرفية والمالية وشركات التأمين تقديم خدماتها للجمهور بشكل طبيعي ومنتظم في مختلف أنحاء الدولة، في وقت تتابع فيه الجهات المختصة التطورات لضمان الجاهزية التشغيلية الكاملة واستمرارية الخدمات المالية دون تأثر.
منظومة متكاملة
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى العوامل التي تعزز قدرة الاقتصاد الإماراتي على الحفاظ على استقراره رغم التوترات الإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بمتانة منظومة الأمن الغذائي وتوافر المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية، إلى جانب شبكة الشركاء التجاريين الواسعة التي تتيح تنويع مصادر التوريد.
كما يبرز تنوّع الاقتصاد الوطني بين قطاعات الطاقة والسياحة والتجارة والخدمات المالية كأحد العناصر التي تعزز مرونته، فضلاً عن دوره في الحفاظ على ثقة المستثمرين واستمرار تدفق الاستثمارات.
تنوع اقتصادي ومرونة
ويرى عبدالله العطر، مستشار في الشؤون المالية والاستثمار، في تصريحات لـ24 أن الاقتصاد الإماراتي يمتلك مجموعة من الركائز التي تعزز قدرته على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، في مقدمتها التنوع الاقتصادي وقوة الاحتياطيات المالية والسياسات النقدية الرصينة، إلى جانب الدور الكبير لصناديق الثروة السيادية والبنية التحتية اللوجستية المتقدمة المرتبطة بأهم الممرات التجارية في العالم.
وأشار إلى أن مرونة الإدارة الاقتصادية وسرعة اتخاذ القرار تمثلان عاملاً حاسماً في احتواء أي تداعيات محتملة والتعامل معها بفعالية، مؤكداً أن توافر مخزون إستراتيجي من السلع الأساسية يكفي لعدة أشهر يشكل خط دفاع أول في مواجهة أي اضطرابات قد تطال سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح أن هذا المخزون يمنح صناع القرار الوقت الكافي لإعادة توجيه الاستيراد وتفعيل بدائل لوجستية ومحلية، ما يحد من تقلبات الأسعار ويحافظ على استقرار الأسواق.
كما لفت إلى أن شبكة العلاقات التجارية الواسعة التي بنتها الإمارات عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا والأمريكيتين، إلى جانب اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، توفر بدائل متعددة لمصادر الاستيراد والتصدير، ما يقلل من الاعتماد على ممرات أو أسواق محددة ويعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع أي اضطرابات محتملة في حركة الشحن أو التجارة الدولية.
وأشار العطر إلى أن الاقتصاد الإماراتي لم يعد قائماً على قطاع الطاقة وحده، بل بات يعتمد على مزيج متوازن من قطاعات السياحة والخدمات المالية والتجارة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يقلل من حساسية الاقتصاد تجاه التقلبات الجيوسياسية أو تقلبات أسعار الطاقة ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرار في النمو حتى في الظروف الإقليمية المعقدة.
سياسات وإستراتيجيات اقتصادية
من جانبه، أكد الدكتور وضاح الطه، الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد الأوراق المالية والاستثمار البريطاني، عبر 24، أن ما يظهر اليوم من قدرة الاقتصاد الإماراتي على التماسك ليس وليد اللحظة، بل نتيجة سياسات وإستراتيجيات اقتصادية عملت الدولة على تطويرها على مدى 20 عاماً بهدف ترسيخ ثقة دولية قوية بالنظام الاقتصادي والمصرفي والقانوني في الدولة.
وأوضح أن أحد أبرز ملامح هذه الإستراتيجية يتمثل في تعزيز دور القطاعات غير النفطية في الاقتصاد، حيث تمثل هذه القطاعات اليوم نحو 50% إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمنح الاقتصاد مرونة أكبر مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بصورة أساسية على النفط.
وأضاف أن منظومة الأمن الغذائي في الدولة تقوم على أكثر من مستوى، إذ لا يقتصر الأمر على تنويع مصادر الاستيراد من دول متعددة، بل يشمل أيضاً استثمارات زراعية خارجية في دول مستقرة لضمان تأمين إمدادات عدد من السلع الغذائية الأساسية، ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات العالمية.
كما أشار إلى أن العلاقات الاقتصادية الواسعة التي تربط الإمارات بمعظم دول العالم توفر لها هامشاً كبيراً من المرونة في إيجاد بدائل سريعة في عمليات الاستيراد والتجارة، بما يحافظ على انسيابية سلاسل التوريد حتى في أوقات التوترات الجيوسياسية.
قوة القطاع المصرفي
ولفت الطه إلى أن قوة القطاع المصرفي تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي، حيث يتمتع النظام المصرفي في الدولة بمستويات عالية من المتانة والرقابة والالتزام بالمعايير الدولية، وقد نجحت البنوك العاملة في الدولة في اجتياز اختبارات الضغط، فيما تجاوزت أصولها الإجمالية 5 تريليونات درهم، أي ما يعادل نحو 1.17 تريليون دولار، ما يعكس حجم السيولة والصلابة المالية التي يتمتع بها القطاع.
ويرى أن هذا التكامل بين قوة النظام المصرفي والبيئة التشريعية المرنة والبنية الاقتصادية المتنوعة يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين، وهو ما يفسر استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الدولة حتى في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة، حيث تواصل الإمارات تصدر دول المنطقة في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.