الاحتيال الرقمي
الإثنين 16 مارس 2026 / 20:52
أصبح الاحتيال الرقمي في السنوات الأخيرة تهديداً منهجياً متصاعداً، لا يقتصر على سرقة البيانات أو الأموال، بل بات يمس الثقة في الاقتصاد الرقمي برمته، حيث تشير التقارير إلى أن تكلفة الهجمات السيبرانية وصلت إلى 10.5 تريليون دولاراً أمريكياً بحلول نهاية عام 2025.
تكلفة الهجمات السيبرانية بلغت 10.5 تريليون دولاراً أمريكياً نهاية 2025
تضع هذه الأرقام المذهلة "عالم الجريمة" في المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين إذا ما تم قياسه كدولة مستقلة، وهو ما أطلق عليه الخبراء اسم دولة "سايبر ريكا" الافتراضية.
ويتجاوز هذا الواقع بأضراره تكاليف الكوارث الطبيعية وأرباح تجارة المخدرات العالمية مجتمعة، مما يضع الحوافز المخصصة للابتكار والاستثمار في مهب الريح.
حجم الظاهرة.. بالأرقام
على صعيد التهديدات الناشئة، ارتفعت حوادث احتيال التزييف العميق بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، فيما تعتمد 74% من الجرائم الإلكترونية المرصودة حالياً على أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر.
وعلى مستوى غسل الأموال، تعتبر 90% من الدول الأعضاء في مجموعة العمل المالي (FATF) الاحتيال الإلكتروني خطراً رئيسياً في هذا الملف.
وفي فبراير (شباط) 2026، وصف تقرير مجموعة العمل المالي الاحتيال الإلكتروني بوصفه منظومة عالمية عالية التنظيم، تستثمر التقنيات المالية لتحقيق عائدات غير مشروعة بمليارات الدولارات سنوياً.

مملكة الجريمة الإلكترونية
تتوزع القوى الفاعلة في دولة "سايبر ريكا" بين عصابات مدعومة من دول وجماعات مرتزقة، حيث يبرز النظام الروسي كأحد أكثر الأنظمة تطوراً ومرونة نتيجة التركيز التعليمي على الرياضيات والهندسة، بينما تنشط المجموعات الصينية في اختراق البنية التحتية التجارية والحكومية.
يبرز أيضاً "احتيال الكريبتو" كعصب مالي لهذه الدولة، حيث حققت جرائم العملات المشفرة 51 مليار دولاراً في عام 2024، مع ظهور تهديدات مستقبلية مرعبة تتعلق بـ "الحوسبة الكمية" التي قد تتمكن بحلول نهاية العقد من كسر شيفرات الأمان العالمية، مما يدفع المسؤولين حالياً لتبني خوارزميات ما بعد الكم (PQC) استباقاً لما يعرف بيوم "Q-Day".
يوم القيامة الرقمي.. سيناريو مرعب لاختراق خزائن البنوك والجيوش العالمية دفعة واحدة - موقع 24يواجه العالم تحولاً تقنياً جذرياً ينذر بنهاية عصر الخصوصية الرقمية وتهاوي أنظمة الأمان التقليدية، حيث يترقب الخبراء حلول ما يعرف بـ "يوم القيامة الرقمي" أو "Q-Day".
كيف تحمي نفسك من هجمات المحتالين الرقميين؟
في تصريحات خاصة لـ 24، أكد الدكتور محمد عزام خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات أن المحتال الرقمي يعتمد على غياب المنطق عن المستخدم العادي في بعض الأحيان، مؤكداً أن هذا الأمر هو ثغرة خطيرة للعبور نحو "السطو".
وأشار الخبير إلى أنه من الضروري توخي الحذر والاستعانة بالمنطق، فعند تلقي رسالة من رقم محلي تنبه بقرب استلام شحنة ما أو حوالة بنكية أو طلب تحديث بيانات، في وقت لم يقم المستخدم فيه بإجراء أي معاملات مشابهة، يجب تجاهل النص فوراً.
وأكد عزام أن تعلم أمن المعلومات أصبح ضرورة مُلحة على جميع فئات المجتمع، لأنه طالما وُجد المحتال الرقمي، فسيجد سبيله حتماً للمستخدم "الجاهل" بالثقافة الإلكترونية، لذا أصبح الوعي التكنولوجي عنصراً أساسياً في تجنب الهجمات المماثلة.

متى يضمن المستخدم الأمان؟
أكد محمد عزام أن الجريمة الإلكترونية عملية دولية منظمة ولا يتم إجراؤها اعتباطاً، لذا يجب أن يتوقف أي عميل عن إدخال بياناته الشخصية وأرقامه البنكية في غير أماكنها الصحيحة مثل مواقع البنوك الرسمية ومواقع الشراء العالمية المضمونة، لأنها جهة مسؤولة عن البيانات، وتنفق الكثير من الأموال على تأمين المعلومات.
وحذّر الخبير التكنولوجي من طريقة جديدة في الاحتيال الرقمي وهي تصميم "الهاكرز" لمواقع مشابهة للمواقع الرسمية التي تتطلب إدخال اشتراكات مدفوعة، كالمتاحف وغيرها، مشدداً على ضرورة تحري الدقة في هذه الناحية، كما رشح اللجوء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي للتأكد من صحة الموقع.

متى تتوقف عن المعاملات المالية تماماً؟
أوضح الدكتور محمد عزام أن شبكات الاتصال المجانية بالإنترنت في الأماكن العامة كالمقاهي والمطارات وغيرها، ليست آمنة بالكامل لإجراء المعاملات البنكية المدفوعة، لأنها قد تصبح بوابة للسرقة الرقمية بكل سهولة.
أشار إلى أنه من الممكن استبدال المعاملات على هذه الشبكات ببيانات الهاتف الخاصة أو شبكات المنزل أو المكتب التي يُعرف عنها الخصوصية الكاملة والأمان، حتى لا يعترض أحد المحتالين الرقميين طريق المعاملة.

استراتيجيات الدول والبنوك في مواجهة "الجريمة الرقمية"
تتسارع الخطى الدولية لمحاصرة هذا النشاط الذي ينمو بوزن اقتصادي هائل، وسط توقعات بوصول التكلفة السنوية إلى 12.2 تريليون دولاراً بحلول عام 2031، بحسب موقع "Cybersecurity Ventures".
في الإمارات، أطلق مركز دبي للأمن الاقتصادي حملة وطنية توعوية بعنوان "اقتصاد قوي.. مجتمع واع" لتعزيز الخط الدفاعي الأول المتمثل في وعي الأفراد، خاصة مع استغلال المحتالين لتقنيات التزييف العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي لتنفيذ عمليات احتيال معقدة تتجاوز الطرق التقليدية.
في سياق متصل، يقود بنك الاحتياطي الهندي بالتعاون مع البنوك الحكومية والخاصة مبادرة لإنشاء منصة "ذكاء المدفوعات الرقمية" (DPIP) كجزء من البنية التحتية العامة، مستخدمة تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لرصد السلوكيات المشبوهة في الوقت الفعلي.