الخميس 7 مايو 2026 / 12:40
في ظل تسارع التحول الصناعي عالمياً، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخطوات عملية نحو ترسيخ نموذج متقدم للتصنيع الذكي، يقوم على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات الإنتاجية اليومية، بما يحقق نقلة نوعية في الكفاءة التشغيلية وجودة المخرجات، ويعزز تنافسية القطاع الصناعي على المستويين الإقليمي والدولي.
ولم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في المصانع المحلية مقتصراً على التجارب أو النماذج التجريبية، بل أصبح جزءاً من التشغيل الفعلي داخل خطوط الإنتاج، من خلال أنظمة الفحص الذكي للجودة المعتمدة على الرؤية الحاسوبية، التي تتيح اكتشاف العيوب بدقة عالية خلال مراحل التصنيع، بما يقلل الهدر ويرفع جودة المنتج النهائي، إلى جانب تطبيقات الصيانة التنبؤية للمعدات التي تعتمد على تحليل بيانات التشغيل للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، والحد من التوقفات المفاجئة وخفض تكاليف الصيانة.
تحول نوعي
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد جمال، الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء المتطور للتقنيات (SAISS) في دولة الإمارات، وعضو مؤسس في جامعة الذكاء الاصطناعي العالمية بكندا، أن القطاع الصناعي في الدولة يشهد تحولاً نوعياً يقوم على دمج الذكاء الاصطناعي في صميم العمليات التشغيلية، مشيراً إلى أن هذا التحول بات يتجسد في تطبيقات عملية تنفذها مؤسسات وطنية كبرى.
وأوضح أن «أدنوك» أسست «مختبر أدنوك للذكاء الاصطناعي» لدمج النماذج الذكية عبر شبكة أصولها باستخدام منصات متقدمة قادرة على الاستشعار والتنبؤ واتخاذ القرار وتنفيذ العمليات بصورة متواصلة، بما يحول الذكاء الاصطناعي من تجارب محدودة إلى منظومة تشغيلية متكاملة.
وأضاف أن مجموعة «إمستيل» تتبنى بدورها نموذج تصنيع قائماً على البيانات ضمن استراتيجيتها الرقمية، عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية في عمليات إنتاج الحديد والصلب، بما يسهم في التنبؤ بالجودة والمراقبة الفورية للعمليات وتسريع كفاءة اتخاذ القرار، مشيراً إلى توظيف روبوتات ذكية في مجالات فحص مواد البناء وصيانة البنية التحتية، أسهمت في تقليص مدة فحص العينات من أربعة أيام عمل إلى ثماني دقائق فقط، ما انعكس على زيادة يومية في نسبة العينات المفحوصة وصلت إلى 650%.
وبيّن الدكتور جمال أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أسهمت كذلك في خفض التكاليف التشغيلية، وتقليل الأعطال، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، إلى جانب إطالة عمر الأصول الحيوية وتحسين مؤشرات الجودة، وهو ما انعكس بحصول «إمستيل» على جائزة «الجودة والمطابقة» ضمن جوائز «اصنع في الإمارات 2026». وأكد أن هذا التحول يفتح المجال أمام تطوير الكفاءات الوطنية وخلق فرص نوعية في مجالات التكنولوجيا الصناعية، بما يعزز مكانة الإمارات كمركز إقليمي وعالمي للصناعة المتقدمة.
خطط طموحة
من جانبه، أكد مروان زين الدين، المدير التنفيذي لشركة "إس إيه بي" المتخصصة في تطبيقات المؤسسات والذكاء الاصطناعي للأعمال، أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دوراً محورياً في تطوير القطاع الصناعي في دولة الإمارات، لا سيما عند دمجه ضمن الأنظمة الغنية بالبيانات التي تعتمد عليها الشركات لإدارة أعمالها، بدءاً من أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى أنظمة المشتريات والمالية وإدارة الأصول وخدمة العملاء.
وأوضح أن اعتماد المؤسسات على منصات توفر بيانات مترابطة ودقيقة وموثوقة يجعل مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر موثوقية ومسؤولية، ويعزز قدرة الشركات على دعم القرار وتحسين كفاءة العمليات، مشيراً إلى أن هذه التقنيات تسهم في تسريع عمليات التخطيط، وتحقيق رؤية تشغيلية أفضل، ورفع الإنتاجية، وتعزيز مرونة العمليات، بما يساعد الشركات على التوسع والنمو بما يتماشى مع الخطط الصناعية الطموحة للدولة.
رؤية استباقية
وأشار زين الدين إلى أن أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع ترتبط بشكل مباشر بنتائج الأعمال، وتشمل الصيانة التنبؤية لتقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وأنظمة مراقبة الجودة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب، إلى جانب التنبؤ بالطلب، وتحسين إدارة المخزون، وتخطيط الإنتاج، وأتمتة عمليات المشتريات، وإدارة مخاطر سلاسل الإمداد.
ولفت إلى أن شركة الغرير للحديد والاستيل "AGIS" استخدمت حلول الذكاء الاصطناعي لأتمتة أكثر من 400 عملية، ما أسهم في تقليص وقت عمل المشغلين من 20 دقيقة إلى ثلاث دقائق فقط، فضلاً عن دعم الرؤية التشغيلية الفورية وتحسين دقة تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.
وأوضح زين الدين أن إمكانات الذكاء الاصطناعي المخصص للأعمال تفتح أمام المصنّعين فرصاً واسعة للانتقال من تحقيق مكاسب تدريجية في الكفاءة إلى بناء عمليات أكثر ذكاءً وقدرة على التكيف، لافتاً إلى أن "إس إيه بي" تطلق على هذا التوجه مفهوم "المؤسسة الذاتية التشغيل"، حيث تعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات والأنظمة بشكل متكامل عبر مختلف العمليات، بما يساعد المؤسسات على امتلاك رؤية استباقية للتغيرات، وأتمتة المزيد من الأعمال، واتخاذ قرارات أكثر دقة وبوتيرة أسرع.