مستهلكون في أحد الأسواق الأمريكية (رويترز)
السبت 20 يونيو 2026 / 11:19
بدأ القلق الاقتصادي في أمريكا يتصاعد حتى وصل إلى الأثرياء، وكشف استطلاع رأي جديد أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" أن أولئك الذين يدرجون أنفسهم ضمن الطبقات الأكثر ثراءً في أمريكا يحملون مخاوف هائلة بشأن أوضاعهم المالية الحالية، والسنوات المقبلة، ومستقبل أبنائهم.
فقدان الثقة
وأفاد أكثر من 40% من الأمريكيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ينتمون إلى "الطبقة العليا" أو "الطبقة المتوسطة العليا" بأنهم لم يدخروا أموالاً كافية للتقاعد بشكل مريح. في حين ذكر نحو 40% فقط أن استقرارهم المالي الحالي يتوافق مع ما كانوا يتوقعونه عند هذه المرحلة من حياتهم، وأشار نحو ثلاثة من كل خمسة أشخاص إلى أنهم يشعرون بعبء وطأة أسعار البنزين المرتفعة.
وفقدت الفئات الأكثر ثراءً ثقتها في قدرة الاقتصاد الذي صب في مصلحتهم طويلاً على النهوض بالأجيال القادمة؛ إذ عبر نحو 86% من المنتمين للطبقتين العليا والمتوسطة العليا عن افتقارهم إلى الثقة في أن حياة أبنائهم ستكون أفضل من حياتهم، وهي قفزة ملحوظة مقارنة بنسبة 64% المسجلة في استطلاع عام 2019، لتعكس هذه الأرقام مستوى من التشاؤم يضاهي نظرة الفئات الأقل حظاً.
كما يرى 65% من المنتمين إلى الفئات الأكثر ثراءً أن الأنظمة السياسية والاقتصادية في أمريكا "مُصممة ضد مصلحتهم"، وهو تصريح لافت يصدر عن المجموعات الأكثر تميزاً في البلاد، ويمثل ارتفاعاً كبيراً مقارنة بنسبة 29% فقط ممن كانوا يرون أن النظام "موجه ضدهم" في عام 2017.
وعلّق جون أنزالوني، وهو خبير استطلاعات رأي ديمقراطي شارك في إجراء البحث، قائلاً: "ما نراه في هذا الاستطلاع هو أن الأمريكيين يعيشون تحت الحصار".
ورغم أن أبناء الطبقتين المتوسطة والعاملة أظهروا المؤشرات الأكبر على المعاناة الاقتصادية، إلا أن التشاؤم الذي خيّم على الطبقات العليا بدا لافتاً بسبب تدهوره الحاد، على الرغم من الطرق الكثيرة التي مال فيها الاقتصاد لصالحهم.
يذكر أن نحو ثلثي الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم ضمن الطبقة العليا أو المتوسطة العليا يبلغ دخل أسرهم السنوي 150 ألف دولار أو أكثر، بما في ذلك 25% يتجاوز دخلهم 250 ألف دولار، وفق الصحيفة.
وقال آدم جيلر، وهو خبير استطلاعات رأي جمهوري شارك في الاستطلاع، إشارةً إلى الفئات ذات الدخل المرتفع: "إنهم ما زالوا يشعرون بالضغط المالي. بالطبع ليس بنفس المستوى الذي يواجهه أبناء الطبقة العاملة أو المتوسطة، لكنه ضغط حقيقي للغاية".

أزمة الطبقة المتوسطة
وبرزت الضغوط على الطبقة المتوسطة في أمريكا لتتحدى المفهوم التقليدي السائد بأن الانضمام إلى هذه الطبقة يحقق الأمان المالي.
وعندما سُئل المشاركون في الاستطلاع عما يشكل دخلاً للطبقة المتوسطة، تركزت الإجابات في نطاق يتراوح بين 65 ألف دولار إلى 135 ألف دولار سنوياً للأسرة. وعندما سُئل أولئك الذين وصفوا أنفسهم بأنهم من الطبقة المتوسطة عن سبب هذا التصنيف، شملت الإجابات المتكررة: الحصول على راتب جيد أو دخل متوسط، وامتلاك أصول مثل المنزل، والقدرة على تحمل تكاليف الاحتياجات الأساسية.
ومن بين الأشخاص الذي شملهم الاستطلاع من الطبقة المتوسطة، قال واحد فقط من كل أربعة إنهم يجنون أموالاً كافية للادخار لما هو أبعد من حالات الطوارئ، أو أن لديهم ما يكفي للتقاعد المريح، أو أنهم حققوا الاستقرار المالي الذي توقعوه عند هذه المرحلة من حياتهم. وأفادت النسبة نفسها تقريباً بأن لديهم ديوناً على بطاقات الائتمان يعجزون عن سدادها بالكامل شهرياً.
كما تراجعت الثقة في أن الشهادة الجامعية تمثل سلماً للنجاح المالي؛ حيث قال ثلث مستجيبي الطبقة المتوسطة فقط إن الشهادة تستحق تكلفتها، بينما رأى 56% أنها لا تستحق ذلك.
تفوق اقتصادي
وأثار هذا التشاؤم الاقتصادي في السنوات الأخيرة حيرة العديد من المحللين الاقتصاديين، والذين رأوا أنه لا يتناسب مع المؤشرات التقليدية، مثل معدلات التوظيف القوية المستمرة والإنفاق الاستهلاكي الجيد في فترة ما بعد كوفيد. ومؤخراً، واصلت أسواق الأسهم صعودها لمستويات قياسية وظل التوظيف قوياً، بل إن الاقتصاد الأمريكي تفوق في أدائه على اقتصادات دول صناعية أخرى، بما فيها أوروبا.
ولكن في المقابل، فإن هناك ضغوطاً ملموسة تفسر هذا القلق؛ حيث التهمت أسعار البنزين المرتفعة مكاسب الأجور التي حققها الأمريكيون على مدار أكثر من عام، كما يتزايد قلق موظفي المكاتب من أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم.
ورغم تراجع التضخم مقارنة بسنوات الجائحة، فإنه لا يزال مستقراً فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وبدأ المستهلكون يظهرون علامات الإرهاق المالي، حيث وصلت نسبة التخلف عن سداد أرصدة بطاقات الائتمان لمدة 90 يوماً على الأقل إلى أعلى مستوى لها منذ 15 عاماً، وفقاً للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وفي الوقت نفسه، كشف الاستطلاع عن قواسم مشتركة ونظرة موحدة تجاه البلاد بغض النظر عن الفئة الطبقية؛ فبرمّتها، يرى نحو ربع المشاركين فقط أن الدولة تسير في المسار الصحيح، بينما يرى ما يقرب من 70% أنها تتجه في الطريق الخاطئ. كما استقرت نسبة الذين يتوقعون تحسن أحوالهم المالية الشخصية في العام المقبل عند حدود 30% عبر جميع الطبقات.

كيف سار التضخم منذ بداية عهد ترامب ؟
حين تسلم دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية، تحرك التضخم في نطاق يتراوح بين 2.5% و2.7%، حيث أظهرت المؤشرات السنوية لعام 2025 استقرار التضخم عند نحو 2.68%، وفق بيانات البنك الفيدرالي الأمريكي.
وفي عام 2026 عاد التضخم ليشهد بعض الضغوط التصاعدية مجدداً، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) لـ مايو (آيار) الماضي إلى أن التضخم السنوي العام ارتفع ليصل إلى 4.25%، مدفوعاً بشكل أساسي بقفزة كبيرة في أسعار الطاقة والوقود.
وعلى الرغم من أن التضخم انحسر كثيراً عن ذروته التاريخية التي تلت جائحة كورونا، إلا أن الإدارة الأمريكية الحالية في عام 2026 لا تزال تواجه تحدي "التضخم" الذي عاود الصعود فوق مستوى 4% بسبب أسعار الطاقة جراء الحرب الإيرانية، حسب تصريحات رئيس مجلس محافظي الفيدرالي الأمريكي كيفين وارش في مؤتمره الصحافي الأخير، والذي أعلن خلاله تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية.