يروي الكاتب الصحفي سون شي أنه أثناء دراسته في كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية، أبلغهم العميد المؤسس وكبير الدبلوماسيين البروفيسور كيشور محبوباني بنبرة متفائلة أن "الحرب، وبعد أن ظلت بلاء للإنسانية طوال قرون، صارت الآن صناعة في طور الأفول".

لا يمكن تحقيق سلام طويل الأمد إلا في ظل حل الدولتين، إسرائيل وفلسطين
لكن من المؤسف اليوم أن تلك "الصناعة التي كانت في طور الأفول" بدأت تنتعش، من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الحرب بين إسرائيل وحماس.

البحث عن السلام

وقال شي في مقاله بموقع "آسيا تايمز": من المفترض أن يكون عيد الميلاد وقتاً للسلام والبهجة، لكن الناس في غزة لم ينالوا حظوة التمتع بالسعادة، بل بقوا غارقين في الحزن والصمت بسبب الحرب المستعرة، وأما في الضفة الغربية فقد أُلغيت احتفالات عيد الميلاد في بيت لحم لهذا العام.
وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة ومنذ 24 فبراير(شباط)2022، أسفرت الحرب الروسية الأوكرانية عن مقتل ما لا يقل عن 10,000 مدني أوكراني، من ضمنهم أكثر من 560 طفلاً، وإصابة أكثر من 18,500 شخص.


ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أسفرت الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس عن مقتل أكثر من 14,000 شخص، من ضمنهم أكثر من 100 موظف في الأمم المتحدة وأكثر من 50 صحفياً وإعلامياً، وإصابة أكثر من 33,000 شخص.
هذه البيانات ربما تكون مجرد بعض الأرقام الباردة، لكنها واقع أليم بالنسبة لمن يعانون من هذه الحروب، وفق الكاتب.
وربما كان البروفيسور محبوباني مفرطاً في التفاؤل بشأن انتهاء الحرب، لكنه كرئيس سابق لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كان محقاً تماماً فيما ذهب إليه بشأن معايير الغرب المزدوجة، حيث ادعى أن "الغرب لا يتخذ موقفاً أخلاقياً إلا عندما لا ينطوي الأمر على مصلحته الأساسية". وقد طبقت الولايات المتحدة مثل هذه المعايير المزدوجة مجدداً على إسرائيل وروسيا، حيث دافع الرئيس الأمريكي جو بايدن عن الأساليب التي تتبعها إسرائيل في غزة، لكنه أدان الأساليب التي تتبعها روسيا في أوكرانيا. وانتُقدت محاولة مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جون كيربي التفرقة بين ضحايا الحرب الروسية في أوكرانيا والعملية العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في غزة كسفسطة فارغة.

حقوق الإنسان في غزة

وقال الكاتب: "يبدو أن حقوق الإنسان في غزة لا تتساوى مع حقوق الإنسان في أوكرانيا في نظر إدارة بايدن. وهذا من المفارقات الساخرة بالنسبة للولايات المتحدة، التي ظلت تزعم دائماً أنها منارة لحقوق الإنسان في العالم".
ومثل هذه المعايير المزدوجة تجاه إسرائيل وروسيا تعتبر "انخراطاً في لعبة خطيرة"، وبدأت الولايات المتحدة تخسر دعمها الدبلوماسي تدريجياً. فعندما رفضت الولايات المتحدة وإسرائيل قرار وقف إطلاق النار في غزة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، لم تحظَ الدولتان بدعم إلا من ثماني دول أخرى، من ضمنها ميكرونيزيا وناورو.


والواقع أن أكثر من 130 موظفاً في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية طلبوا في وقت سابق من إدارة بايدن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة.
وتابع الكاتب أن أي هجمات على المدنيين، سواء على أيدي الجيش الإسرائيلي أو حماس، يجب إدانتها ومعاقبتها بشدة، مع ضرورة تشجيع وقف فوري لإطلاق النار في غزة في أقرب وقت ممكن.

لا سلام دون حل الدوليتن

ولكن لا يمكن تحقيق سلام طويل الأمد إلا في ظل حل الدولتين، إسرائيل وفلسطين. واقترحت أربع دول في الاتحاد الأوروبي عقد مؤتمر دولي للسلام لتنفيذ قرار بشأن خيار الدولتين، وأصر وزيرا خارجية المملكة المتحدة وألمانيا على ضرورة تحرك جميع الأطراف نحو حل الدولتين بعد المرحلة الساخنة من الحرب.
وطرح الرئيس الصيني شي جين بينغ في يونيو (حزيران) اقتراحاً من ثلاث نقاط لتسوية القضية الفلسطينية، ويشمل إنشاء دولة فلسطين المستقلة، وضمان تلبية احتياجات فلسطين الاقتصادية والمعيشية، وإبقاء محادثات السلام على مسارها الصحيح.
واختتم الكاتب مقاله بالقول: "ظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دون حل على مدى أكثر من نصف قرن، مما تسبب في معاناة كبيرة للناس هناك. ويعد العام الجديد وقتاً للأمل والتجديد، فهيا بنا نصلِّ من أجل عام 2024 يسوده السلام في غزة وأوكرانيا والعالم أجمع".