افتتح مؤخراً معرضاً فنيا ضمن المتحف المصري بجزيرة المتاحف في برلين حول جزيرة إلفنتين المصرية بعنوان "جزيرة آلاف السنين".
تقع جزيرة إلفنتين الصغيرة مقابل مدينة أسوان في جنوب مصر، ويبلغ طول الجزيرة بضع كيلومترات فقط، لكنها مهمة جداً بالنسبة للعلماء.
تمثل الجزيرة حالة استثنائية، في التاريخ المصري وتاريخ الحضارات القديمة بشكل عام. فقد كانت مركزاً تجارياً، وقاعدةً عسكرية. وعاش في الجزيرة أناس كثرٌ من مختلف الحضارات في العصور القديمة بأكملها. وجميع هؤلاء الناس تركوا آثارهم على هذه الجزيرة. فقد عثر علماء الآثار على آلاف النصوص في جزيرة إلفنتين، بخطوط ولغات مختلفة كالهيراطيقية، والديموطيقية، والآرامية، والقبطية، واليونانية، والعربية. لذا توصف الجزيرة بأنها كنز لا مثيل له في التاريخ.
فجزيرة إلفنتين فريدة من نوعها. لا يوجد مكاناً آخر في مصر يشابها. وبقيت صناديق مليئة بالبرديات والأوستراكات مغلقة ومكدسة ومنتشرة بمستودعات 60 متحفاً في 24 بلداً حول العالم. يخشى الباحثون تلف ما تحتويه في حال تعرضه للضوء. حتى تمنكن فريق علمي عالمي فيه علماء من مصر والسودان وألمانيا وفرنسا وغيرها من استحداث طريقة يمكن بفضلها فرد البرديات وترجمة نصوصها دون تعريضها للتلف، لتتاح ولأول مرة في التاريخ للباحثين والمهتمين وزائري المعرض.
نصوص جزيرة إلفنتين هذه عبارة قطع من البرديات، وأوستراكات، والمخوطات، تم جمعها، وترميمها، وقراءتها، وترجمتها، وتفسيرها، وإتاحتها لعامة الناس في جميع أنحاء العالم. لقد عمل أكثر من 25 خبيراً وخبيرة معاً على مدى سبع سنوات، من أجل فك رموز النصوص. 80٪ من هذه المواد لم يكن معروفاً من قبل.
من بينها مرسوم يعطي الانطباع بأنه يعود إلى عهد الملك زوسر (حوالي 2720 - 2700 ق.م)، يصف مجاعة حصلت بسبب عدم فيضان النيل، وأهمية مدينة إلفنتين، والإله خنوم، الذي أنهى الجفاف. وعرفاناً بالجميل، وعد الملك الإله بالضرائب والرسوم الجمركية من اثني عشر ميلاً من الأراضي المتاخمة لمصر. ويحتل وصف منطقة إلفنتين، كمصدر للموارد الطبيعية، حيزاً كبيراً من النص، مما يدل على الأهمية الخاصة للجزيرة.
كذلك فإن قصة أحيقار مدونة على بردية كانت قد مُحيت في العصور القديمة، وكانت في الأصل تحتوي على قائمة ضرائب إدارية، مع تقويم. وبفضل التصوير الفوتوغرافي المتخصص عالي التقنية، أصبح اليوم من الممكن إظهار هذه النصوص مجدداً، مما يسمح أيضاً بتحديد موقع الأجزاء الفردية من البرديات بشكل صحيح. تدور القصة الآرامية حول أحيقار، الذي تبنّى ابن أخيه من أجل تربيته كخليفة له. وتتمحور القصة حول مجموعة من الأقوال الحكيمة.
إضافة لذلك يبدو التنوع السكاني جلياً في الوثائق التاريخية التي عُثر عليها. فهناك مصريون متعددو الديانات، عاشوا جميعاً معاً في الجزيرة. مما جعل الجزيرة مثالاً يُحتذى للمجتمع الكوني المُصغر، في مكان صغير، أجاب على أسئلة تشكل هذه الأيام تحديات كبرى أمام المجتمع الدولي بأكمله في ظل التغير المناخي والحروب والفقر والهجرة.
إن مشروع إلفنتين هو مشروع عالميٌ حقاً. وكان الاهتمام به كبيراً منذ البداية، ليس فقط بسبب بعده الكوني وتعدد تخصصاته، وإنما أيضاً بسبب الأسئلة الهامة التي يطرحها. كان اهتمام البحث منصباً على المسائل المتعلقة بالأسرة والمجتمع، تفاعل الأديان وتساؤلات حول التعددية الثقافية والهوية. وتجدر الإشارة إلى دعم المجلس الأوروبي لهذا المشروع الحضاري لجزيرة إلفنتين، وسيتم تقديمه في اليونسكو بباريس، ومناقشة المسائل المتعلقة بالاندماج والهجرة في العصور القديمة. حيث أن هذه الظاهرة ليست بأي حال من الأحوال حديثة، ولكن هنا يمكننا أن نتعلم من الماضي، للحاضر، وربما للمستقبل أيضاً.
تبين الوثائق التي تعرض حتى نهاية أكتوبر 2024 في برلين كيف لعبت الديانة الخاصة دوراً رئيسياً في إلفنتين وكانت تتم عبادة الآلهة المصرية مثل بتاح وآبيس وكذلك تاورت وحتحور وبس. وقد ذُكر بعضها في الأضرحة أو كانت تُلبس على شكل تمائم صغيرة. وبعضها الآخر مذكور أو مصور في نصوص على اللوحات والاعمدة. ويتضح أن اللوحات التي تصور نساءً في معبد، وأحياناً مع طفل، هي على الأرجح للإلهة عشتروت القادمة من الشرق الأدنى، التي كانت ترمز إلى الحب والخصوبة. أما التماثيل الخشبية الذكورية فهي على الأرجح تصور الإله بعل، أي ما يقابل عشتروت من الذكور.
ظهرت أولى البرديات من إلفنتين في بداية القرن التاسع عشر. أثار الاكتشاف الكبير لبرديات مهمة في عام 1904 ضجة كبيرة لدى الخبراء. لذلك تم تكليف أوتو روبنسون من قبل المتاحف الملكية في برلين بإجراء حفريات في الجزيرة في النيل. اكتشف في موسمين من الحفريات (1906-1907) برديات محفوظة بشكل ممتاز، وأوستراكات (كسرات من الفخار والحجر الجيري المنقوشة) وغيرها من المنقوشات. وأُجريت حفريات أخيرة بين عامي 1907 و1908 بإشراف فريدريش تزوكير.
تمت دراسة 10745 قطعة (برديات، أوستراكات، مخطوطات، ورقيات، إلخ) وإدراجها ضمن قاعدة البيانات ERC المنشأة حديثاً وفقاً لمعيار XML لمبادرة ترميز النصوص (TEI). ويعتمد هذا النظام المستدام لترميز النصوص وفهرستها رقمياً، على الرمز الأحادي. وقد تعاون فريق دولي من الخبراء في هذا المشروع. كما تم تنفيذ طريقة خاصة للتعامل مع أجزاء البردي الكثيرة في المجموعات وتوثيقها. وتتضمن قاعدة البيانات هذه كماً كبيراً من المعلومات عن كل قطعة، تصف المادة واللغات والمحتوى. وترد البيانات الوصفية ونسخ النصوص وترجماتها بجانب الصورة. لقد تم جميع هذه الأشياء وهي الآن متاحة للجميع في المعرض وإلكترونياً.