يتوجه الإيرانيون مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع في 28 يونيو (حزيران) 2024، وهذه المرة ليختاروا خليفة الرئيس إبراهيم رئيسي، الذي توفي في حادث تحطم مروحية في مايو (أيار) 2024.

إعطاء الانتخابات الرئاسية التي ستُعقد هذا الشهر أي أهمية حقيقية يعني الانشغال عن الكل بالجزء


 وكما حدث في كل انتخابات سابقة، ستكون هذه الانتخابات خدعة تفتقر إلى الديمقراطية الحقيقية، حسب ما أفاد الدكتور سعيد قاسمي نجاد، كاتب ومستشار أول في الشؤون الإيرانية والاقتصادية المالية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومتخصص في اقتصاد إيران والأسواق المالية والعقوبات، والتمويل غير المشروع.
والواقع أن مجلس صيانة الدستور – وهو هيئة مكونة من 12 عضواً تفحص المرشحين بوصفها امتداداً لإرادة المرشد الأعلى علي خامنئي – وافق على 6 فقط من بين المرشحين الثمانين المعلنين، وكل منهم موال للنظام والمرشد الأعلى.

31 انتخابات رئاسية

ولفت الكاتب، في مقاله بموقع "ناشونال إنترست"، إلى أنه على مدى العقود الأربعة الماضية، عقد النظام 31 انتخابات رئيسية منذ عام 1980، ولم تكن كل منها أكثر من مجرد مسرحية هزلية. وعلى الرغم من القبضة الاستبدادية لإيران حيث يحكم المرشد الأعلى بقبضة من حديد، فإنها تصر على هذه المسرحيات، الأمر الذي يثير تساؤلاً: لماذا كل هذا العناء؟.

 


ويعمل النظام على خنق المنافسة باختياره للمرشحين. فيعين خامنئي نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور، في حين يقترح رئيس السلطة القضائية، الذي يعينه خامنئي، النصف الآخر. ولأن المجلس لابد أن يوافق أيضاً على أي تشريع يقره مجلس الشورى (البرلمان الإيراني)، فقد حرم خامنئي المسؤولين المنتخبين من الصلاحيات لصالح من يعينهم.


انتخابات خالية من المخاطر


وتضمن مثل هذه الآليات أن تكون الانتخابات خالية من المخاطر تقريباً بالنسبة للنظام. علاوة على ذلك، وكما أظهرت الانتخابات الرئاسية في عام 2009، فإن النظام قادر على تزوير النتائج، وقمع أي معارضة قد تنتج عن ذلك.
زعم محمد تقي مصباح يزدي، الزعيم الروحي لفصيل جبهة استقرار الثورة الإسلامية وعضو مجلس الخبراء لمدة سبعة عشر عاماً، وهو الهيئة المكلفة باختيار المرشد الأعلى القادم، أن السبب وراء إجراء الجمهورية الإسلامية للانتخابات، هو أن المرشد الأعلى رأى أنه من المناسب إجراء انتخابات.

 


وذكر مصباح أن المرشد الأعلى له الحق في اختيار شكل آخر من أشكال الحكم لا يتضمن الانتخابات. وبالنسبة لمصباح، فإن مجلس الخبراء لا ينتخب المرشد الأعلى، بل إنه يكتشف إرادة الله. ووفقاً لمصباح، فإن تصويت الشعب وموافقته لا يلعبان أي دور في شرعية الحكومة الإسلاموية، مع كون المرشد الأعلى ممثلاً للإمام الغائب في المعتقد الشيعي.
ومع ذلك، كان المرشد الأعلى يعتقد أن فوائد التمثيلية الانتخابية تستحق العناء.


وهم الديمقراطية


وأوضح الكاتب "تزرع طهران هذا الوهم بالديمقراطية في محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأنها تتمسك بمظهر من مظاهر المعايير الديمقراطية. وتخدم هذه اللعبة أيضاً في تأطير الانتقادات الأجنبية بوصفها تدخلاً غير مبرر ضد حكومة يفترض أنها منتخبة. ويروج دعاة النظام لنسختهم من "الديمقراطية الإسلامية"، في حين يعترف المدافعون الأكثر تطوراً بأن الانتخابات الإيرانية معيبة، ولكنهم يزعمون أنها تتحسن، أو على الأقل لديها القدرة على التحسن.
وهذا تفكير متفائل، حسب الكاتب، كان النظام يلوح لسنوات بالإصلاح المحتمل لاسترضاء الإيرانيين، وتعزيز فكرة أن التغيير يمكن أن يحدث دون احتجاج أو اضطرابات أو عنف. وكانت الانتخابات تدعم الوهم بأن صناديق الاقتراع يمكن أن تجلب التغيير. حتى بعد حملة القمع التي شُنت في عام 2009، في أعقاب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد بشكل احتيالي، سارع الإيرانيون إلى صناديق الاقتراع في عام 2013 للتصويت لصالح حسن روحاني، وهو من قدامى المحاربين في أجهزة الأمن، والذي قدم نفسه لاحقاً بوصفه معتدلاً.
ومع ذلك، منذ عام 2017، تضاءلت قدرة النظام على تدوير هذا الوهم للمطلعين على الحقائق. وعلى مدى السنوات السبع الماضية، نزل الإيرانيون إلى الشوارع ثلاث مرات، في عام 2017، و2019، و2022، للتنديد بالنظام. وكان رد النظام قتل الآلاف وسجن عشرات الآلاف الآخرين. وفي عامي 2017 و2019، كان روحاني هو الذي أشرف على حملة القمع، مما دفع الإيرانيين إلى الهتاف، "إصلاحيون! أصوليون! انتهت اللعبة!" ولا يزال الإيرانيون يحتجون على أساس يومي.
وتساعد واجهة الانتخابات أيضاً في حماية خامنئي من خلال تمكينه من تجنب المسؤولية المباشرة عن المصاعب والإخفاقات، مما يسمح له بدلاً من ذلك بالتضحية بالمسؤولين المنتخبين. ورغم أن خامنئي يتمتع بسلطة مطلقة، فإن الإدارة التفصيلية لكل قضية من شأنها أن تعرضه للخطر. وتسمح الانتخابات لخامنئي بالحفاظ على أقصى قدر من السلطة مع الحد الأدنى من المساءلة. كما تسمح لقاعدته، بالنظر إلى فشل النظام والفساد والهمهمة "بأن المرشد الأعلى نفسه رجل صالح، حتى لو كان وزراؤه فاسدين وغير أكفاء".


الانتخابات أداة لتعزيز النظام


ورأى الكاتب أن الانتخابات الإيرانية مجرد أداة استراتيجية تعمل على تعزيز النظام. ومن خلال السماح بمنافسة محدودة بين الموالين للنظام والسيطرة على المرشحين والنتائج، يعزز النظام من قدرته على الصمود في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، مع الحفاظ على قشرة من الشرعية على المسرح العالمي.


لا تغيير منتظراً


واختتم الكاتب مقاله بالقول: "إن إعطاء الانتخابات الرئاسية التي ستُعقد هذا الشهر أي أهمية حقيقية يعني الانشغال عن الكل بالجزء. ففي عالم مليء بعدم اليقين، هناك شيء واحد مؤكد مفاده أن الرئيس الجديد لا يؤذن بأي تغيير سياسي جوهري في إيران".