سبب وقوع اختياري على الشاعر منفريد بيتر هاين، غير المعروف في الوطن العربي، هو أهمية هذا النمط من الشعر الرمزي باللغة الألمانية. كما أن الرغبة في تقديم شاعر وأديب ألماني ضمن واقع ومواصفات غير معتادة نسبياً بالنسبة للقارئ العربي، ومساهمة في تعميق الاتصال بين الأدبين، العربي والألماني، بعيدا عن الوقوع في فخ مبدأ الشهرة أو التواضع المحسوب في بعض الأحيان، ومحاولة التركيز على النوع من الشعر المختلف في المضمون وأبعاد المعنى والمحير أحياناً، تعتبر أيضاً من الأسباب الكامنة وراء هذا الاختيار.
يعيش هذا الشاعر الأماني، حياة متواضعة منذ عام 1958 في فلندا، في شقة صغيرة مع زوجته المدرسة المتقاعدة، يكتب باللغة الألمانية فقط، وما يكتبه قليل الكم، وغني النوع، يفكر فيما يكتبه، خاصة من الشعر، مطولاً، ويعمل جهده أن يكون النص أقل ما يمكن مساحة ومحملا بأكبر ما يمكن من أثقال المعاني.
ترافقنا أياماً في فلندا، على أثر مؤتمر حول الأدب الألماني هناك، تنقلنا خلالها من مدينة فاسا إلى مدينة تمبريه ثم العاصمة هلسنكي، وقبيل ندوة شعرية في مدينة فاسا في شمال فلندا، عبّر لي منفريد بيتر هاين عن اهتمامه بالأدب العربي وحلمه بترجمة قصيدة من قصائده إلى اللغة العربية وإلقائها باللغة العربية أمام جمهور لا يتقن العربية ولا يفهمها. وحين لبيت رغبته هذه، كان الوقع إيجابياً حدا بنا إلى التفكير جديا بترجمة بعض من قصائده إلى اللغة العربية، إلى أن تمت ترجمة مجموعة من القصائد ونُشرت ضمن ديوان بعنوان "نبوخذ نصر قناع على الصخر"، دار الأهالي، دمشق 2001.
نُشرت تلك القصائد في دواوين مختلفة باللغة الألمانية وفي أزمنة مختلفة أيضاً، لكنها على ارتباط في بلاد حوض البحر الاأيض المتوسط والوطن العربي التي كان للشاعر أن زارها وهي اليونان (امورغوس) وتركيا والمغرب وفلسطين (على ابواب اريحا) والأردن (قصيدة بصياغة أخرى)، وهي قصيدة كتبها إثر زيارته لوادي رم في الاردن. وقد تبدو للوهلة الأولى غريبة بعض الشيء من حيث الشكل والمضمون، لكنها قد تشكل نافذة متواضعة نطل منها على جزء من الشعر الألماني الرمزي.
ولد الشاعر مانفريد بيتير هاين في عام 1931 في مدينة داركيهمين / أوستبرويسين (اليوم في منطقة كالينينغراد). بعد أن أنهى دراسته الثانوية في عام 1951، التحق بالدراسة الجامعية متنقلا ما بين ماربورج، ميونخ وجوتنجين في ألمانيا وهلنسنكي في فلندا. ثم عمل من عام 1959 وحتى 1962 مدرسا للغة الألمانية في جامعات ومدارس ومعاهد مختلفة. انتهى به المطاف في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي بفنلندا، حيث يعيش بالقرب من هلسنكي منذ ذلك الحين.
يمكن قراءة سيرته الذاتية في أعماله النثرية المستندة إلى ذلك، مثل درب الهروب (1999) وهبوط الشمال (2011). كذلك صنع الشاعر مانفريد بيتر هاين اسمًا لنفسه كمترجم وكاتب مقالات ومحرر وباحث في الأدب المقارن. وكان التزامه في المقام الأول تجاه الآداب "الصغيرة" في شمال شرق أوروبا، وخاصة الأدب الفنلندي.
يتضح من أعماله المترجمة أنها اتخذت شكلاً جديدًا في نهاية السبعينيات، مقارنة بما سبقها. فلم يعد هاين مهتمًا فقط بتقديم المؤلفين الفنلنديين من جيله، بل وضع لنفسه مهمة النقل المستمر للأدب الفنلندي، أي إثارة الاهتمام به في البداية، ثم وبشكل مطرد من خلال الدراسات الأدبية والمساهمات النقدية الأدبية وكذلك متابعة الترجمات الأدبية. وقد علق هاين على أهمية ما يسمى بالآداب "الصغيرة" أو المهمشة بالقول: "هناك أهمية خاصة لإبراز الأدب الإبداعي في اللغات الصغيرة وربما المهملة، والاستمرار بوضعها ضمن السياق السليم والصحيح للأدب العالمي، وبغض النظر عن عدد قرائها. إن خلق هذا الأمر يتطلب أكثر من مجرد دراسة قوانين العرض والطلب، والتي من المسلم به أنها لا تؤدي إلا إلى ترسيخ الوضع السائد، إن كانت هذه الرؤية التقليدية هي الأساس في التعامل مع هذه اللغات والإبداعات الأدبية فيها.
من أعماله الأدبية ثمانية دوواوين شعرية باللغة الألمانية، وعدد قليل من الأعمال النثرية. ويُشار بشكل خاص إلى ترجمته لأنطولوجيا شعرية من أوروبا الشمالية والشرقية باللغة الألمانية، تعد حتى هذا اليوم من أهم المراجع للاطلاع على الإبداع الشعري في هذا المناطق. حاز هاين على جوائز عدة منها جائزة بيتير هوخل الألمانية 1984، جائزة الدولة الفلندية وجائزة باول شيربارت عام 1999.
*

قصيدة بصياغة أخرى

جلجلة نور وكلمة
شعيرات هريرة بين الأنامل
قاطرة النقل يعلوها الغبار أحمر قان
تمخر هادرة في عباب الوادي
صوب الغروب
جلجلة نور وكلمة
من شارة قافلة إلى أخرى
نبوخذ نصر؛ قناع على الصخر معروض للملأ إلى يوم الدين
لتعرف أنه ملك الجبابرة
كالهجن يقتات عشباً بالسلاسل عند الوتد
هذا مآلك هنا
من ظل إلى ظل ومن بئر إلى بئر
عين هريرة تنساب على قمم جبال حدها زرقة الفضاء
واقفة جنباً إلى جنب وقناعاً إلى قناع
لهفة النظرات في الخيال
*

على ابواب اريحا

رحاب
حتى يتحدد الاتجاه
نجت
بأمر من الغزاة
.
حطت على كوم دمار في التيه
حتى يتحدد الاتجاه
على التلة بيتها المهجور
في السواد نزفت الساق، خُنقت النار
.
الملاك عاد أدراجه والميت من المغاور والمخادع من صفيح المدرعات
غباراً ورماداً
نوراً عابراً
يلوك القصيدة كمن يمضغ معدناً
*

امورغوس

على حد المدية
تراتيل على المذبح
نظرات متحشرجة
تدلت خاوية
*
تم الأمر
بالغبار مرة أخرى
أنت يا أيها الكهل
جف حذاء الطفولة
.
جلد العنز
نفخ الكور
انتصبت الأربع
كأنها تعلن الحدث من جديد
.
قناع إله الرعاة حيوان الجبل
قبل السلخ
ها هو ذو القرنين يهوي