7 أشهر من القلق والترقّب عاشتها لوبوف أنتيبينا، وهي مواطنة روسية من مدينة كورسك، في محاولاتها المستمرة لمعرفة مصير والديها، اللذين كانا يعيشان في قرية وقعت تحت سيطرة القوات الأوكرانية.

وبعد جهود مضنية، شملت تتبع وسائل التواصل الاجتماعي وتعليق منشورات بحث في الشوارع، لمحت أخيراً صورة والديها في مقطع فيديو نُشر على تطبيق "تلغرام".

وقالت أنتيبينا في تصريح لصحيفة "فايننشال تايمز": أخيراً استطعنا أن نتنفس الصعداء". وانضم والدها ووالدتها إليها في كورسك الشهر الماضي، بعد أن استعادت القوات الروسية السيطرة على قريتهم "زاوليشينكا".

قصة أنتيبينا تجسد مأساة أوسع تعصف بالمنطقة الحدودية الروسية، وهي نتيجة مباشرة لقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2022، شنّ هجوم واسع النطاق لأوكرانيا. وفي سياق الرد على ذلك، شنّت كييف هجوماً مفاجئاً على الأراضي الروسية في أغسطس (آب) العام الماضي، استمر حتى مارس (آذار) الماضي، رغم تواصل بعض التوغلات المحدودة عبر الحدود حتى الآن.

أزمة إنسانية طال أمدها

الأزمة الإنسانية التي امتدت لأشهر في منطقة كورسك تعود، ولو جزئياً، إلى قرارات اتخذتها موسكو نفسها. فقد تُرك آلاف الروس، معظمهم من كبار السن، في قرى مهجورة دون رعاية طبية أو إمدادات طاقة أو وسائل اتصالات، وكان الحصول على الطعام والماء تحدياً يومياً.

ورغم أن كثيرين من السكان وجّهوا اللوم للقوات الأوكرانية، واتهموها بالنهب وسوء المعاملة خلال عمليات تفتيش المنازل، إلا أن شريحة كبيرة منهم حملت الحكومة الروسية مسؤولية الإهمال والتقصير في إنقاذهم.

ووفقاً لموسكو، فرّ نحو 150 ألف مدني من المناطق التي سيطرت عليها أوكرانيا، بعضهم لم يكن يحمل سوى ملابسه. وعند وصولهم إلى كورسك، خرج العديد منهم في مظاهرات احتجاجاً على الظروف المزرية في مراكز الإيواء، وعلى التأخر في تقديم المساعدات الحكومية.

وفي أحد مقاطع الفيديو المؤثرة، صرخ أحد اللاجئين من بلدة "أولخوفكا" مخاطباً بوتين: "فلاديمير... لماذا لا يسمعنا أحد؟! نحن نعيش في جحيم منذ 3 أشهر". وكان خلفه نحو 50 من سكان قريته. ولاجئون آخرون من بلدة "سودجا"، أكبر المدن التي سيطرت عليها أوكرانيا مؤقتاً، قالوا إنهم لم يتلقوا أي تحذيرات بإخلاء منازلهم، رغم ظهور مؤشرات واضحة على التحركات العسكرية على الأرض.

وقال فلاديمير سينيلنيكوف، أحد المتطوعين المحليين، في فيديو موجه للرئيس الروسي: "في صيف 2024، قدت سيارتي على طول الحدود، وكان بالإمكان رؤية تجمعات القوات بالعين المجردة". الرئيس بوتين لم يعلّق على هذه النداءات المصورة. ومع ذلك، أمر بتعويضات للمُهجّرين، وأقال الحاكم المحلي في محاولة لتحسين التواصل مع السكان.

إخلاء متعثر ووعود لم تتحقق

وفي أحد مراكز الإغاثة التابعة لوزارة الطوارئ الروسية، جلس نازحون من ضواحي "سودجا" يتناولون وجبات في حافلات متوقفة عند نقطة تفتيش عسكرية غرب كورسك.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، وثقت تقارير قيام القوات الروسية بإعدامات ميدانية للمدنيين، وشنّ هجمات على مناطق سكنية ومدارس ومستشفيات. واتهمت كييف الرئيس الروسي بوتين بخرق اتفاق هدنة جزئية تم التوصل إليها عبر وساطة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. 

كما أن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أصدرت مذكرات توقيف بحق بوتين وأحد كبار مسؤوليه بتهم ارتكاب جرائم حرب. وفي المقابل، اتهمت موسكو كييف بارتكاب جرائم حرب في منطقة كورسك، وزعمت أن القوات الأوكرانية استهدفت مدنيين أثناء محاولتهم الفرار، وقتلت آخرين ممن بقوا في منازلهم.

ولكن المحلل العسكري روسـلان ليفييف، رئيس فريق استخبارات النزاعات (CIT)، قال إن طبيعة الاحتلال الأوكراني لمنطقة كورسك تختلف تماماً، عمّا فعلته روسيا حين حاولت اقتحام كييف عام 2022.

وأضاف"لم ترد أي تقارير عن عمليات تصفية في كورسك، على عكس ما حدث في ضواحي كييف. بعض السكان ذكروا أنهم تلقوا مساعدات إنسانية وعلاجاً طبياً من القوات الأوكرانية. وقد أقر الجانبان بأنه تم إجلاء مدنيين من خلال أوكرانيا وبيلاروسيا إلى روسيا، وهو سيناريو لا يمكن تخيله في حالة كييف".

وأكد ليفييف أن موسكو لم تقدم حتى الآ،  أدلة موثوقة على ارتكاب القوات الأوكرانية جرائم حرب أو عمليات قتل للمدنيين في كورسك.

مأساة نينا كوزنتسوفا

ومن أكثر القصص تداولاً في الإعلام الروسي، قصة نينا كوزنتسوفا (28 عاماً)، التي قتلت أثناء محاولتها الفرار بسيارة مع عائلتها. زوجها ظهر في عدة مقابلات موجهاً اللوم للقوات الأوكرانية، لكن صحيفة "فايننشال تايمز" لم تتمكن من التحقق المستقل من مزاعمه.

ومن جهته، نفى المتحدث باسم الخارجية الأوكرانية، هيورغي تيخي، مراراً أن تكون قوات بلاده قد استهدفت مدنيين في كورسك.

وبعد انتهاء فترة الإجلاء، أصبحت المناطق التي كانت تحت سيطرة أوكرانيا معزولة تماماً عن الجانب الروسي، وانقطعت وسائل الاتصال كلياً. وبدأت تظهر مقاطع فيديو على قناة أوكرانية تُدعى "غير مرغوب بهم من قبل بوتين"، يظهر فيها أقارب المدنيين وهم يوجهون رسائل لأحبائهم.

وكان الجنود الأوكرانيون أيضاً، ينقلون رسائل مصورة من السكان إلى أقاربهم في "سودجا"، حسب ما أفاد الجندي الأوكراني أرتيوم كارياكين. وقال جندي آخر يُدعى "فيتالي" إن الأطباء العسكريين الأوكرانيين قدموا العلاج لبعض المدنيين الروس، بما في ذلك أدوية حيوية مثل الإنسولين.

ولكن المستشفيات والمتاجر والصيدليات، وحتى مصادر الغاز والمياه كانت خارج الخدمة. وكان السكان يعتمدون على ما يزرعونه في حدائقهم، ويطبخون على نيران الحطب أو المواقد اليدوية، ويذيبون الثلج لتوفير مياه الشرب شتاءً.

وقالت أنتيبينا: "والديّ عاشا أزمة التسعينيات، لذا بنى والدي موقداً يدوياً. أكلا من محاصيل الحديقة، وذبحا خنزيراً وتقاسما لحمه مع الجيران. أحياناً كانوا يحصلون على بسكويت أو حلوى من المحلات المنهوبة".

ورغم مناشدات السكان لإنشاء ممر إنساني، لم يُفتح أي ممر، وكل طرف ألقى اللوم على الآخر. فالمعبر الوحيد المتاح كان عبر مدينة "سومي" الأوكرانية، التي تعرضت للقصف من قبل روسيا خلال عطلة "أحد الشعانين"، بينما كان الناس في الكنيسة.

واستخدم حوالي 100 روسي طريق "سومي" للخروج. وقال مدني روسي تم إجلاؤه عبر هذا المعبر إن "السكان شعروا بأن دولتهم قد تخلّت عنهم".

ضحايا مدنيون ومقابر جماعية

وليس كل من بقي هناك نجا. فقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية في أكتوبر  (تشرين الأول) الماضي، عن مقتل 70 مدنياً، بينما قالت أوكرانيا إن العدد وصل إلى 112. وأكد موقع "7×7" المستقل سقوط 30 قتيلاً.

وقال عيسى سالم سلطانوف، إمام في كتيبة "أخمات" التابعة للجيش الروسي، إنه نقل أكثر من 50 جثة إلى كورسك بعد أن استعادت روسيا المنطقة.  وأكد أن المدنيين في "سودجا" تلقوا معاملة إنسانية، لكنه زعم أن الوضع كان مأساوياً في القرى المجاورة، حيث "أُجبر كبار السن على الاستلقاء أرضاً، وتعرضوا للترهيب والإهانة وحتى القتل". ولم تتمكن الصحيفة من التحقق المستقل من هذه الادعاءات.

ونشرت وسائل الإعلام الرسمية والمستقلة الروسية، إضافة إلى قناة سالم سلطانوف على "تليغرام"، شهادات لسكان تحدثوا عن تعرض منازلهم لقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة. كما وردت تقارير عن مداهمات بحثاً عن جنود روس، أجبر خلالها بعض المدنيين على الاستلقاء أرضاً، إضافة إلى شهادات عن عمليات نهب.

وقال ليفييف: "لا يمكننا التحقق من كل الادعاءات، لكننا نرجّح أن حوادث نهب فردية قد وقعت بالفعل".

والدا أنتيبينا أخبروها بأن القوات الأوكرانية "لم تسئ معاملتهما". وحتى الجنود الأوكرانيون الذين خدموا في منطقة كورسك وصفوا الأجواء هناك بأنها هادئة. وقال الجندي فيتالي: "بصراحة، كنت أعتقد أننا سنتصرف بعدوانية أكبر، لكن حين ترى أناساً في ورطة... نحن في حرب، وهذا مؤلم لنا، لكنهم عالقون في منطقة حرب، وهذا مؤلم لهم أيضاً".

وأضاف أن كثيراً من السكان في منطقة كورسك كانوا يتحدثون الأوكرانية أو لغة "السورجيك"، وهي مزيج من الروسية والأوكرانية.

وقال ممازحاً: "عندما دخلنا المنطقة، استقبلنا رجل مسنّ يحمل منجلاً وتحدث معنا بالأوكرانية. قلنا ساخرين: هل عبرنا الحدود؟".

زيارة بوتين وتحديات ما بعد الاحتلال

وفي مارس (آذار) الماضي، زار الرئيس بوتين منطقة كورسك مرتدياً الزي العسكري، في أول زيارة له منذ بدء الغزو، وصُوّرت الزيارة على أنها إعلان "تحرير". ولكن وفقاً لمجموعة "ديب ستيت" الأوكرانية التحليلية المرتبطة بوزارة الدفاع، فإن أوكرانيا لا تزال تسيطر على نحو 50 كيلومتراً مربعاً فقط من أصل 1000 كيلومتر، كانت قد استولت عليها العام الماضي.

ورغم استعادة روسيا لمعظم المناطق، إلا أن الوضع لا يزال غير مستقر، والعودة إلى الحياة الطبيعية تبدو بعيدة المنال. فالقصف لا يتوقف، والطائرات المسيّرة تجوب السماء، والطرق مليئة بالمركبات المحترقة والألغام.

وقال سالم سلطانوف: "لم يتبقَ شيء من بلدة سودجا، لا بد من إعادة بنائها من الصفر... ويجب أن نُخرج الناس من هناك".