عندما اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطة سلام تتضمن اعترافاً بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم، جاء الرد من كييف صارماً لا لبس فيه: "لا" قاطعة.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، للصحفيين إن "مثل هذا الاعتراف ينتهك دستور البلاد"، مؤكداً أن ذلك لن يحدث أبداً، حتى ولو كان المقابل هو إنهاء الحرب الدامية التي تدور رحاها بشكل أساسي خارج الأراضي المتنازع عليها، والتي بقيت في قبضة روسيا لأكثر من عقد من الزمان.
الخط الأحمر
لكن "الخط الأحمر" الذي رسمه زيلينسكي، يستند إلى واقع سياسي داخلي يصعب تجاهله، بحسب تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز".
فالاعتراف الرسمي بسيطرة روسيا على القرم داخل أوكرانيا، سيُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه تنازلاً خطيراً لمنافس مخادع، وتخلياً عن الأوكرانيين الذين لا يزالون يعيشون هناك.
كما أنه سيقضي على آمال لمّ شمل العائلات التي فُرّقت بفعل الاحتلال عام 2014، حينما فرّ العديد من السكان المؤيدين لأوكرانيا، بينما بقي أقاربهم المسنون أو المؤيدون لروسيا.

وقال كوستيانتين يليسييف، النائب السابق لرئيس ديوان الرئاسة الأوكرانية: "لا يوجد سياسي أوكراني واحد يمكن أن يصوّت لتشريع احتلال الأراضي الأوكرانية"، وأضاف "بالنسبة لأعضاء البرلمان، سيكون ذلك أسوأ من الانتحار السياسي".
من جانبه، عبّر ترامب عن استغرابه واستيائه من موقف زيلينسكي، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن "القرم فُقدت منذ سنوات"، مشيراً إلى أن الزعيم الأوكراني يطيل أمد الحرب بسبب وهم لا طائل منه.
وأضاف ترامب "بإمكانه تحقيق السلام، أو أن يواصل القتال 3 سنوات أخرى، قبل أن يخسر البلاد بأكملها".
الشرارة
وبدأت عملية السيطرة على القرم عام 2014، عندما استولى جنود روس ملثمون لا يحملون أي شارات على ملابسهم العسكرية، على المباني الحكومية والقواعد العسكرية هناك. وقد تمت العملية من دون إراقة دماء تُذكر، إذ انسحب الجنود الأوكرانيون أو انضم بعضهم إلى الجانب الروسي.
ولكن تلك العملية، كانت الشرارة التي أطلقت حملة روسية للسيطرة على الأراضي في شرق أوكرانيا، باستخدام الجيش والقوات الوكيلة، وهو ما أشعل صراعاً أودى بحياة نحو 14 ألف جندي ومدني من الجانبين، قبل أن تشن روسيا غزواً واسع النطاق عام 2022، مما أدى إلى اندلاع حرب أشمل، وفقاً للأمم المتحدة.

وتستمر هذه الحرب حتى اليوم، فيما كثّفت إدارة ترامب خلال الأسبوع الماضي تهديداتها بالانسحاب من عملية السلام.
واليوم الخميس، شنت القوات الروسية ما وصف بأنه أعنف هجوم صاروخي وطائرات مسيرة، على العاصمة الأوكرانية منذ صيف العام الماضي، مما أسفر عن مقتل 9 أشخاص على الأقل، وإصابة أكثر من 60، بحسب السلطات الأوكرانية.
القرم.. عقبة تفاوضية كبرى
وفي المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة، كانت أوكرانيا تأمل في استبعاد مسألة القرم من النقاش، وسعت إلى وقف فوري لإطلاق النار وتجميد الصراع عند خطوط المواجهة الحالية، بالإضافة إلى الحصول على ضمانات أمنية تحول دون تجدد الهجمات، مثل نشر قوة حفظ سلام أوروبية أو الانضمام المحتمل إلى حلف الناتو.
ولكن إدارة ترامب رفضت هذا الطرح هذا الأسبوع، وقدمت مقترحاً يتضمن الاعتراف بالسيادة الروسية على القرم، ومنع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو، مقابل وقف الأعمال القتالية على الجبهات الحالية.

وفي المحادثات الخاصة، أبدى مسؤولون أوكرانيون استعدادهم لوقف القتال عند خط الجبهة، مع إدراكهم أن تراجع الزخم الروسي قد يكون في مصلحة أوكرانيا. إلا أنهم يؤكدون أن الأهم من موقع خط وقف إطلاق النار، هو وجود ضمانات حقيقية بأن روسيا لن تستغل الهدنة لإعادة التجهيز وشن هجمات جديدة.
ومن جانبها، حذرت روسيا من احتمال أن تستغل أوكرانيا الهدنة أيضاً لإعادة التسلح، لكنها أعربت عموماً عن ترحيبها بالمقترح الأمريكي.
ويرى ميخايلو ساموس، مدير "شبكة أبحاث الجغرافيا السياسية الجديدة" في كييف، أن محادثات السلام قد تفشل بسبب قضية القرم أكثر من فشلها بسبب وقف إطلاق النار.
وقال: "قضية القرم هي السبب الأساسي المرجح لفشل هذه المحادثات".

الانفصال الروسي
ويبلغ عدد سكان القرم نحو مليوني نسمة، وقد صوتت المنطقة مع باقي أوكرانيا لصالح الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، لكنها حافظت على علاقات وثيقة مع روسيا من خلال قطاع السياحة، وكان غالبية سكانها يتحدثون الروسية. وقد طالب بها القوميون الروس منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
ولا تزال ذكرى الضم الروسي حاضرة في وجدان الأوكرانيين، كما يعارض الاعتراف بالسيطرة الروسية على القرم "مجلس تتار القرم"، وهو كيان يمثل مجموعة عرقية عريقة في شبه الجزيرة تعرّضت للاضطهاد السياسي، وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان.
وكتب رفعت تشوباروف، رئيس المجلس، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "القرم هو موطن شعب تتار القرم الأصلي، وجزء لا يتجزأ من أوكرانيا... ولا أحد تحت أي ظرف يملك الحق في تقرير مصير القرم سوى الدولة الأوكرانية وشعب تتار القرم".
زيلينسكي: لن نتخلى عن القرم - موقع 24جدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التأكيد على الإعلان الصادر عام 2018، والذي يرفض ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، مؤكداً أن كييف لن تتخلى عن هذه المنطقة المطلة على البحر الأسود.
مخاطرة سياسية
وداخل الأوساط السياسية الأوكرانية، يُنظر إلى التفاوض بشأن وضع القرم باعتباره مخاطرة سياسية جسيمة.
ففي كييف، لا ينسى المسؤولون أن أسلافهم الذين وقعوا اتفاقاً لتمديد عقد إيجار قاعدة بحرية روسية في القرم عام 2010، أي قبل بدء الحرب بسنوات، تمت محاكمتهم لاحقاً بتهم الخيانة.
كما يؤكد الأوكرانيون أن الاعتراف بسيطرة روسيا على القرم، سينتهك مبادئ أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تعارض تغيير الحدود بالقوة.
وقالت أولكساندرا ماتفيتشوك، المحامية الأوكرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2022: "لا يملك أي رئيس أوكراني سلطة الاعتراف بالقرم، لأنها انتُزعت بالقوة كجزء من روسيا".

رفض دولي
وتشير الصحيفة، إلى أنه من الصعب قياس الرأي العام داخل القرم في الوقت الحالي، فبعد سيطرة روسيا على الإقليم، عبّر العديد من السكان في مقابلات ومنشورات عبر وسائل التواصل عن دعمهم للانضمام إلى روسيا، إلا أن استطلاعات الرأي الموثوقة نادرة.
وقد صرحت كايا كالاس، كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، بأن الكتلة الأوروبية تعارض الاعتراف الرسمي بسيادة روسيا على القرم.
كما تعارض تركيا الاعتراف بشدة، تضامناً مع سكان القرم من التتار، وبدافع القلق من وجود عسكري روسي معترف به رسمياً في شبه الجزيرة.
ماكرون يرفض مناقشة وضع القرم: الأولوية لوقف إطلاق النار - موقع 24اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الخميس، أن الأولوية في أوكرانيا يجب أن تكون لوقف إطلاق نار غير مشروط، مشيراً إلى أنه يجب حالياً عدم مناقشة وضع شبه جزيرة القرم، التي تقع في صلب الخلافات مع روسيا.
وفي فترة رئاسته الأولى، كانت إدارة ترامب نفسها قد أصدرت بياناً رسمياً تعارض فيه الاعتراف.
ويُعرف ذلك البيان الصادر عام 2018 باسم "إعلان القرم"، وينص على أن الولايات المتحدة لن تعترف بسيادة روسيا على القرم، تماماً كما لم تعترف بالاحتلال السوفيتي لدول البلطيق: لاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا خلال الحرب الباردة، وهو الموقف الذي ساهم في تمهيد طريق هذه الدول للاستقلال أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.