ليس سهلاً أن تقف على حدود المعنى في إمارة تقيم للكتاب عيداً على مدار عشرة أيام، تحتشد فيها مؤسسات الفكر والمعرفة والمعنيون بالقراءة والكتابة على اختلاف اهتماماتهم وأعمارهم ورؤاهم، ولا سيما في مدينة تحتضن بشراً وأفكاراً وأشواقاً من كل مكان في هذا العالم الرحيب.
وليس غريباً على مدينة أبوظبي، المركز الثقافي النابض عربيّاً وعالميّاً، والجسر الذي تلتقي عنده الحضارات الإنسانية وتتفاعل وتتناغم، أن يتحوّل حضور الورق والحبر إلى لحظة إنسانية آسرة، يلتقي فيها الأديب والعالِم والمبدع والقارئ، ليشكلّوا معاً وجهاً جديداً مشرقاً للثقافة العربية والعالمية، تنبض فيه اللغة بالدفء، والفكرة بالأمل، والإنسان بالمعنى.
لم يعد معرض أبوظبي الدولي للكتاب مجرّد تظاهرة موسمية، أو سوقاً للكتب والنشر في المنطقة والعالم، بل غدا منبراً دائماً للفكر، وملتقى يجسّد الحراك العالمي في مختلف جوانب الحياة، ومرآة تعكس صورة الإمارات التي اتخذت قرارها بأن تكون كلمة، لا صدىً. وأن تكون موئلاً للأدب لا محطة عبور.
ومن اللافت لزوار المعرض هذا العام تخصيص مساحة رمزية ومعرفية لتكريم ابن سينا الذي اختير "شخصية العام"، وهو الفيلسوف والطبيب الذي تجاوز تأثيره الحضارة العربية والإسلامية التي ينتمي إليها، وظلّ اسمه مطروحاً لقرون عدة في مختلف الجامعات الغربية بوصفه مثالاً على نبوغ العقل العربي الإسلامي. ولم يكن تكريمه في معرض أبوظبي للكتاب استعادةً تقليدية، بل محاولة لربط الحاضر بجذور معرفية عميقة، كما أن تكريمه لم يكن لشخصه فقط، بل لمبادئه القائمة على أن التفكير لا وطن له، والعقل لا يُقيَّد بزمن. وقد شهد المعرض فعاليات عدة عن ابن سينا، شملت ندوات ومحاضرات ومعارض وثائقية، فضلاً عن جناح تفاعلي يعرض أبرز محطات حياته ومسيرته الفكرية، ويلقي الضوء على إنجازه الموسوعي، ومكانته في الفكر الإنساني، باعتباره نموذجاً للروح العلمية المنفتحة على الفلسفة والطب والدين واللغة في آنٍ. 
وجاء اختيار ثقافة البحر الكاريبي ضيفَ شرفٍ لهذه الدورة ليعبّر عن انفتاح أبوظبي العميق على الثقافات التي تغيب عن الواجهة، على الرغم من ثرائها وأصالتها وفرادتها، وهو اختيار يحمل في طياته اعترافاً بأن الاختلاف ليس عائقاً، بل إنه يفتح الباب أمام حوار أوسع مع الذات والآخر، بروح من الرغبة في التواصل والفهم وتوسيع مساحة المشترك الإنساني. ولم يكن الحضور الكاريبي في المعرض رمزياً، بل كان فاعلاً ومتدفقاً يعبر عن ذاته من خلال الشعر والموسيقى والأدب والفنون، وتنوعت أدوات التواصل معه بين الجلسات الفكرية والنقاشات المهمومة بقضايا الهوية والمنفى والذاكرة، في دعوة مفتوحة لفهم الإنسان من زوايا مختلفة. وكان ذلك اختياراً شجاعاً ورياديّاً، كما اعتادت أبوظبي أن تكون، وتجسدت فيه الطريقة التي تتحوّل بها الثقافة إلى وسيلة لفهم الآخر والاقتراب من عالمه، لا للحكم عليه.
وفي لفتة نبيلة أخرى، كرّم المعرض ضمن فعاليات جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها التاسعة عشرة الكاتب الياباني العالمي هاروكي موراكامي، الذي منحت تجربته الروائية الأدب العالمي بُعداً داخلياً مختلفاً، حيث يمتزج اللايقين والعزلة والشغف في سردية لا تُشبه أحداً. وقد حمل تكريم هذا الروائي الفذّ رسالة واضحة بأن أبوظبي لا تكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل تُكرّم أيضاً صانعي الحاضر ومُلهمي الغد.
ومن الجماليات التي اتّسعت لها قاعات المعرض هذا العام، الاهتمام المتزايد بالتحولات الحديثة في صناعة الكتاب. فقد وجدنا الكتب الصوتية، والبودكاست، والتجارب الرقمية، تقف جنباً إلى جنب مع الكتب المطبوعة، دون صراع أو ادّعاء بالأفضلية. كلٌ له مقامه، وكلٌ يخاطب ذائقة واحتياجاً مختلفاً. وهذا هو جوهر أبوظبي الثقافية: التعدد لا بوصفه ضرورة، بل خياراً واعياً.
إن الحديث عن هذا النجاح الثقافي يسوقنا بالضرورة إلى توجيه الشكر لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ممثلة برئيسها معالي محمد خليفة المبارك ووكيلها سعادة سعود الحوسني اللذين يدعمان هذا المشروع بثبات ورؤية تعكس توجيهات القيادة الرشيدة. ويستحق سعادة الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، تقديراً خاصاً على دوره الريادي في صياغة هذه الرؤية وتفعيلها من خلال فريق عمل ناجح، فالحراك الذي نشهده اليوم في معرض الكتاب، هو نتيجة سنوات من العمل الجاد، والإيمان العميق بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي هوية وأمان مستقبلي.
لقد تحوّل معرض أبوظبي إلى مرآة ثقافية واسعة، تعكس ما نريده لمجتمعاتنا من تنوع، وانفتاح، واحترام للمعنى، وإيمان صادق بأن الكلمة لا تزال تملك قدرةً ناعمة على البناء، وأن القراءة ليست طقساً معرفياً فحسب، بل هي فعل حبّ حقيقي للحياة؛ فحين تسير بين أجنحته، تستمع إلى أكثر من لغة، وتقرأ أكثر من وجه، وتدرك أنه معرض لا يدور حول الكتب فقط، بل حول الناس، وحول ما يجعلنا بشراً، قادرين على أن نحلم، ونكتب، ونؤمن أن الغد – مهما بدا هشّاً – يستحق أن نكتبه من جديد.