"المواطنة والهوية وقيم العيش المشترك"، هو المؤتمر الدولي الثالث للدراسات الإسلامية الذي نظمته "جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية"، أبريل الماضي، في العاصمة الإماراتية أبوظبي، حيث جرت نقاشات واسعة حول معنى المواطنة، وارتباطها بالهوية، والتغيرات التي طرأت على الأخيرة في ظل التطور المفاهيمي للإنسان الحديث، والصراعات بين رؤى تعتقد أن الهوية يجب أن تكون مصانة عن أي تبدل، ووجهة نظر تعتقد أنها مفهوم يتطور مع الوقت دون أن يفقد ملامحه الأساسية أو نواته الصلبة؛ حيث ناقش المجتمعون كل ذلك وتأثيره على منظومة القيم، وإذا ما كان هنالك من جادة واحدة، أو مزيج من القيم العليا المشتركة لعموم البشرية، أم أن لكل جماعة أو دين أو عرق محدداته الخاصة به!

         لا يمكن تقديم إجابات ناجزة، أو رؤى نهائية، وهذا ما يمكن تلمسه مما طرح في "المؤتمر"، وذلك أمر طبيعي، يدل على حيوية في النقاش وتنوع في الآراء، وأيضاً مرونة في مقاربة موضوع لا يزال محل بحث بين الفلاسفة والمفكرين.

         لقد كان لافتاً أن النقاش حول "المواطنة والهوية وقيم العيش المشترك" جرى من قبلِ علماء دين وأكاديميين معنيين بالفقه وعلم الأصول، وأن العديد منهم في مقارباتهم للموضوعات كانوا يناقشون بعقلٍ منفتح على المعارف الحديثة، دون توجس أو قلق من الفلسفات الغربية ومناهجها، بل سعوا للتفاعل معها، ويمكن ملاحظة ذلك في كلمة شخصية بارزة مثل العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، الذي أكد على الإسهام الديني في ترسيخ المواطنة.

         هذا الإسهام أشار له الأمين العام لـ"منتدى أبو ظبي للسلم" المحفوظ بن بيه، في مقال له نشرته صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، 3 مايو الجاري، أكد فيه أن "فكرة المواطنة الشاملة متجذرة بعمق في التراث الإسلامي"، وأن العلامة عبد الله بن بيه طالما جادل بأن "المواطنة ليست علاقة تبادلية، بل هي عهد يتأسس على مسؤولية متبادلة، ذلك أن إسهاماته في الفقه الإسلامي - ولا سيما من خلال مبادرات مثل إعلان مراكش (2016)، وإعلان أبوظبي حول المواطنة الشاملة (2021) - تبرز التزامًا أخلاقيًا ودينيًا لدى المسلمين باحتضان التعايش السلمي، وصيانة حقوق الآخرين، والإسهام الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها".

         هنالك نقطة مهمة شدد عليها المحفوظ بن بيه في مقاله، وهي أن "تأكيد القرآن الكريم على كرامة الإنسان، يرفض النظرة الضيقة والخاطئة التي ترى أن الهوية الإسلامية تتعارض بطبيعتها مع العالم الحديث والمجتمع غير المُسلِم. بل ينظر الإسلام إلى التعددية بوصفها جزءًا من الإرادة الإلهية، والمشاركة المدنية بوصفها عملا من أعمال الإيمان"، مضيفاً "نحن بحاجة إلى رؤية لمواطنة عالمية شاملة، قائمة على الانتماء، لا على مجرد وضع قانوني، وعلى رؤية للهوية متعددة الأبعاد وليست جامدة".

         هذه "المواطنة العالمية الشاملة القائمة على الانتماء"، هي ما سعى مؤتمر "جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية" للتأكيد عليها، لأن "الانتماء" عنصر أساسيٌ في "المواطنة" التي لا يمكنها أن تنبت جزافاً، بل لا بد لها من سياق تاريخي وجغرافي وثقافي تتأسس فيه، وهذا ما أكدت عليه كلمات شخصيات مثل الدكتور عمر حبتور الدرعي رئيس "الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة"، والدكتور خليفة مبارك الظاهري مدير "جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية".

         إرث أي جماعة بشرية هو جزء من هويتها ومواطنتها وقيمها التي تؤمن بها، وهذا الإرث إذا أُحسن استخدامه بإمكانه أن يكون أرضية مشتركة يتفق عليها حتى من هم ليسوا جزءاً تاريخياً منه، ولكنهم وجدوا فيها مساحة مشتركة للتآخي والعمل الإنساني الأوسع، والذي يقع في دائرة الهوية الأكبر، والتي إذا صيغت متخففة عن الأنانية كان للإنسان أياً كان عرقه أو دينه نصيبٌ وافرٌ منها.