في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال منتدى الاستثمار السعودي-الأمريكي في الرياض رفع العقوبات عن سوريا، ما أثار ارتياحاً في بعض الأوساط، ودهشةً لدى كثير من المراقبين الذين اعتادوا على نهج أكثر تحفظاً في واشنطن.
ركّز معظم الخطاب في واشنطن على كيفية حكم سوريا داخلياً
وكتب الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط غريغ بريدي في مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، أن القرار يُعد تحولاً جذرياً في السياسية الأمريكية.
ويشير الكاتب إلى أن سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، تبدو ملفاً ثانوياً بالنسبة لواشنطن، لكن الحفاظ على وحدتها واستقرار اقتصادها قد يُسهم في تقليص خطر عودة تنظيم داعش، ويحد من نفوذ إيران وروسيا.
ومن منظور المصالح الأمريكية، فإن "سوريا المثالية" هي تلك التي لا تُهدد الدول المجاورة وتحترم سيادة لبنان.
قانون قيصر
وبعد سقوط نظام الأسد، انصب التركيز الأمريكي على الداخل السوري، وتحديداً على سلوك "هيئة تحرير الشام" التي يقودها أحمد الشرع، والمصنفة كمنظمة إرهابية.
وفي حين حذّرت أصوات أمريكية من رفع العقوبات بشكل كامل، طالبت بإعفاءات محدودة لأغراض إنسانية، وهي إعفاءات أقرّتها إدارة بايدن مطلع العام في مجالات الطاقة والتحويلات المالية.
ورغم سريان معظم العقوبات بموجب "قانون قيصر" حتى عام 2029، جادل مسؤولون أمريكيون بأن رفعها مشروط بتحقيق "معايير الحكم الرشيد"، كصياغة دستور جديد مقبول دولياً.
وكان هذا هو التوجه المبدئي لإدارة ترامب، التي سعت لتقليص وجودها العسكري في شمال شرق سوريا، في وقت أبدت حكومة الشرع مرونة إزاء بعض المطالب، مع تأكيدها ضرورة احترام السيادة السورية.
واقعية سياسية
في الداخل السوري، ورغم بعض التجاوزات، حافظت الحكومة الجديدة على الحدّ من الاستقرار، وتجنّبت الأعمال الانتقامية واسعة النطاق ضد الأقليات، رغم الهجمات ضد العلويين في مارس (آذار) الماضي.
كما تشهد المدن الكبرى تواجداً نسائياً علنياً دون حجاب، وإن كان ذلك محصوراً بالمناطق المتنوعة.
ورغم تعهد الشرع بإصلاحات سياسية، يرى الكاتب أن نزعته نحو الديمقراطية محدودة، إذ لا يزال الدستور المؤقت قائماً على مرسوم، ويتوقع أن تستغرق صياغة دستور جديد نحو ثلاث سنوات، على أن تبقى الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع.
واعتبر الكاتب أن التعويل على تحوّل سوريا إلى ديمقراطية ليبرالية وفق المعايير الغربية هو رهان غير واقعي، والأرجح أن البلاد ستتجه نحو نموذج محافظ بمرجعية سنية، وهو ما لن يُرضي دعاة "مشروطية العقوبات" من الليبراليين والمحافظين الجدد في الغرب.
وبحسب المقال، فإن ترامب اختار كسر الجمود داخل المؤسسة الأمريكية، وفضّل واقعية سياسية تمكّن من التعامل مع سوريا كدولة موحدة ومستقرة، بدلاً من إبقائها ضعيفة ومنقسمة، وهو ما قد يحقق المصالح الأمريكية بفاعلية أكبر، خصوصاً أن سوريا – في الحالتين – لن تمتلك القدرة على تهديد إسرائيل عسكرياً في المستقبل القريب.