يرى أستاذ العلاقات الدولية في كلية ماكاليستر، أندرو لايثام، أن الضربات العسكرية الأخيرة التي نفذتها الهند داخل الأراضي الباكستانية لا تمثّل مجرد رد انتقامي في نزاع طويل الأمد، بل تؤشر إلى تحول استراتيجي بالغ الخطورة: نهاية سياسة "الصبر الاستراتيجي" التي تبنتها نيودلهي، وبداية نهج أكثر جرأة ومجازفة في التعامل مع الصراع الحدودي.

وهم التصعيد المسيطَر عليه هو أخطر أنواع الوهم

كتب لايثام في صحيفة "ذا هيل" الأمريكية أن الضربات، وإن كانت محدودة ومدروسة، إلا أنها تمثل مقامرة واضحة، إذ باتت الهند ترى أنها قادرة على الرد عسكرياً على الهجمات المدعومة من باكستان دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو رهان محفوف بالمخاطر في منطقة نووية، فالتصعيد في هذا السياق لا يُعد سياسة بقدر ما هو مجازفة قد تضع ملايين الأرواح في مهب الخطر.

البيئة تغيّرت

وكان الدافع المباشر للضربات كميناً دامياً في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، أودى بحياة 26 مدنياً.

 وألقت الهند باللوم على جماعات مسلحة تنشط في باكستان، التي سارعت بدورها إلى نفي أي ضلوع في الهجوم.

لكن، وعلى خلاف المرات السابقة، نفذت الهند عملية عسكرية استهدفت مواقع داخل الأراضي الباكستانية، قالت نيودلهي إنها مرتبطة بالجهات المسؤولة عن الكمين.

ونُفّذت الضربات بواسطة طائرات "رافال" المقاتلة باستخدام ذخائر موجهة بدقة، وكانت سريعة ومحددة الأهداف.

صحيح أن هذا ليس سابقة، فالهند نفذت ضربات عام 2016 بعد هجوم أوري، وشنّت غارة جوية في بالاكوت عام 2019 رداً على تفجير بولواما، لكن المشهد الاستراتيجي في المنطقة بات أكثر هشاشة، وتقلّصت قدرة القوى العظمى على التدخل، ما يجعل الضبط الذاتي الذي كان يقي من انفجار الأزمات الهندية الباكستانية، أكثر ضعفاً من أي وقت مضى.

عتبة جديدة

ما تغيّر هذه المرة هو أن الهند قررت عدم التهاون مع الهجمات، وأعلنت عملياً أنها لن تلتزم بضبط النفس.

ويفتح هذا التحول الباب أمام اعتماد إدارة الأزمات بدل الردع، وهو مسار محفوف بالمخاطر في جنوب آسيا التي تفتقر إلى البنى التحتية الدبلوماسية والعسكرية الضرورية لإدارة توترات من هذا النوع.

ورغم وجود خط ساخن بين الجيشين، فإن استخدامه متقطع، كما لا توجد مؤسسات مشتركة للحد من التسلح، ولا حوار استراتيجي فعال، ولا إجراءات بناء ثقة يمكنها الصمود تحت الضغط.

وطوال عقود، استند الردع النووي بين البلدين إلى الخوف المتبادل أكثر من التنظيم المؤسسي. ويبدو أن هذا لم يعد كافياً.

سيناريو كارثي

بحسب لايثام، من السهل تصور السيناريو الأسوأ وهو خروج التصعيد عن السيطرة، وفي قلب هذا السيناريو تقبع المشكلة النووية.

فباكستان لم تتبنَّ يوماً عقيدة "عدم الاستخدام الأول"، بينما تتمسك بها الهند نظرياً، لكنها تتعرض لضغوط داخلية للتراجع عنها.

ويعتمد الردع النووي في شبه القارة على الغموض والارتجال، وعلى أمل أن تسود الحكمة في اللحظات الحرجة، وهو نهج لا يرتقي إلى مستوى العقيدة العسكرية، بل أقرب إلى مقامرة تتكرر مع كل أزمة.

العدوى الإقليمية

وتشير هذه الأزمة أيضاً إلى نمط عالمي آخذ في التوسع، حيث بات استخدام القوة المحدودة عبر الحدود أكثر قبولاً. فإسرائيل تضرب سوريا ولبنان بشكل روتيني، وتركيا تتحرك في شمال العراق، والولايات المتحدة تنفذ غارات بطائرات مسيرة من أفريقيا إلى الشرق الأوسط. والهند بدورها باتت ترى أن أمنها القومي يستدعي استعراضاً دورياً للقوة، لكن جنوب آسيا ليست كغيرها، فالمخاطر فيها نووية وليست هامشية.

وسيخلف اندلاع حرب كبيرة تداعيات عالمية، إذ سيضرب أسواق الطاقة، ويزعزع استقرار دول ذات أغلبية مسلمة، ويضع الولايات المتحدة أمام مأزق استراتيجي، وقد تستغل الصين الفوضى لتعزيز نفوذها في منطقة تعدّها جزءاً من حدودها المباشرة.

لا استقرار في نهاية سريعة

أوقف وقف إطلاق النار الذي فرضته واشنطن التصعيد مؤقتاً، فيما احتفل كثر في باكستان بما عدّوه نصراً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدراك الطرفين أن وهم "السيطرة على التصعيد" هو أخطر الأوهام.

فبمجرد اندلاع العنف، فإنه يكتسب زخمه الخاص، ويصعب احتواؤه، وسجّل التاريخ مملوء بالأمثلة على قادة ظنّوا أنهم قادرون على التحكم بالحرب، لكنهم اكتشفوا العكس.

ويختتم الكاتب بتحذير واضح: لا ينبغي الخلط بين نهاية سريعة لأزمة حالية، وبين استقرار دائم. فقد بات الطرفان أكثر ثقة بأن بإمكانهما الذهاب أبعد في المواجهة المقبلة.

وإذا حدث ذلك، فإن مجرد سوء تقدير واحد، أو رد فعل متسرع، قد يجرّ المنطقة إلى كارثة نووية شاملة.