بمناسبة اقتراب يوم الكاتب الإماراتي، الموافق 26 مايو (أيار) الجاري، يسلط موقع 24 الضوء على ما حققته الرواية الإماراتية من قفزات، بمشاركة نقاد في الأدب، وأكاديميين، يقدمون رؤيتهم للأعمال الروائية الإماراتية تحديدا في الخمسة أعوام الماضية، ومبينين أهم الروايات التي اطلعوا عليها من النتاج الإماراتي خلال هذه المدة، وتوقعاتهم المستقبلية لإمكانية تتويج رواية إماراتية في الجائزة العالمية للرواية العربية، بعد أن وصلت رواية "ملمس الضوء" لنادية النجار للقائمة القصيرة في أحدث دورات الجائزة.
تقول الأكاديمية والناقدة الدكتورة مريم الهاشمي: "فن الرواية في الإمارات - وكما ذكرت في كتاب التطور السردي في الإمارات - تغير وتطور بتطور الحياة، وانعكس ذلك على المبدع الذي بدوره وجد مساحة واسعة للتعبير عن تلك الاختلاجات حول التغيرات المجتمعية، والرغبة الدائبة في فهم ذاته أكثر أمام ما اعترى الخارج من تغيير".
فن الرواية رغم كونه فنا تأخر ظهوره، إلا أنه أثبت حضوره أمام الشعر الذي سبقه، والقصص الشعبية والخراريف التي كانت البذرة الأولى لفن القص في الإمارات، والتغير الاجتماعي الذي صاحبه الاقتصادي والسياسي والثقافي، الذي أثر كذلك في الموضوعات التي تناولتها الرواية، إضافة إلى ما يميز الإمارات من حضارة استطاعت أن تجمع بين الحداثة والأصالة في تلاقح ثقافي مع الآخر، ودوره الفاعل في التعرف عليه بل والتأثير فيه، إما بفعل الترجمة أو بفعل الاحتكاك المباشر، ما أثر على كل المظاهر الفنية الإبداعية، ومنها الرواية".

وتضيف الهاشمي: "لا يمكن أن نتصور شكلاً واحداً عن جنس الرواية، لأنها وجدت لترتحل في الشكل والتجريب والتعدد، ولم توجد ليضبطها شكل واحد، فقد وجدت مع الإنسان لتعبر عن رحلته، وضياعه في الأزمنة الحديثة، وعليه لا يمكننا أن نتصور أسلوبا فنيا واحدا لكتابة الرواية؛ لأن فكرة الكتابة بأسلوب وقالب واحد تشتغل ضد الحسم الشكلي الذي تأسس على أساسه جنس الرواية، أي إن التمسك بمفهوم محدد للرواية يجعلها في حالة التباس واضح".
وفي إطار ردها على مدى استحقاق الرواية الإماراتية الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية، توضح: "كنت ضمن لجنة التحكيم الأخيرة للجائزة، وإن مجرد وصول الرواية الإماراتية للقائمة القصيرة فهي بمثابة الفوز، وكل رواية تصل للقائمة القصيرة هي رواية كان لها استحقاق الفوز بالجائزة بلا شك؛ فالرواية الإمارتية استطاعت أن تثبت جدارتها الإبداعية السردية للمتلقين، بل وتفوقت على كثير من الروايات المنتمية لبقع جغرافية أخرى كان لها تاريخها الكتابي ولقرون عديدة".
وعن متابعتها للأعمال الروائية الإماراتية تقول: "وجب أن أكون حاضرة ومرتبطة بالنشاط الكتابي والثقافي للكتاب الإماراتي، وذلك من منظور المسؤولية المجتمعية والبحثية التي أحملها للوقوف على الكتابة الإبداعية للكتاب الإماراتيين؛ لذا قرأت مؤخراً أكثر من 21 رواية إماراتية لكتاب وكاتبات، من عدة أجيال".

من جهته يوضح الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي الدكتور أحمد عقيلي: "من يتتبع الواقع الثقافي للرواية الإماراتية، وواقعها في الساحة الثقافية العربية والعالمية، يجد أن الرواية الإماراتية قد شهدت وخصوصاً في السنوات الأخيرة قفزات إبداعية شكلت في مجملها نقلة نوعية في الحركة الثقافية الإبداعية، وذلك على مستوى اللفظ والمعنى، وما يؤكد هذا الحكم النقدي، ظهور كوكبة من الكُتاب والروائيين الإماراتيين الذين استطاعوا أن يعكسوا من خلال إبداعاتهم الروائية، قضايا مجتمعاتهم، وتحولات هذا المجتمع الثقافية والاجتماعية، وذلك في صورة نصوص روائية سردية ناضجة مبدعة ومؤثرة، ولم يتحقق هذا التميز مصادفة، بل إنه حصيلة جهود وسعي أدبي دؤوب نحو الفرادة وتحقيق معايير الرواية العالمية، من جهة، والحراك الثقافي والفكري الإبداعي الذي تشهده الإمارات".
وتابع: "هذا بالإضافة إلى الدعم المؤسساتي الكبير للأدب والشعر عموماً، والرواية على وجه الخصوص، وذلك من خلال الجوائز، ودور النشر، والمعارض، والأمسيات المخصصة للرواية والروائيين في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بفروعه كلها، وهو ما أسهم في ظهور أسماء روائية مبدعة وشابة، وقد ترجمت هذه القفزات النوعية، في بروز خصائص جديدة للرواية الإماراتية، لعلنا نذكر منها: التجدد والانفتاح على القضايا والموضوعات المعاصرة، لعل منها قضايا الهوية، الغربة، وتغيرات المجتمع في ظل العولمة والذكاء الاصطناعي، كما طال التجديد تقنيات الرواية وأدواتها، حيث تنوعت السرديات الحديثة، وظهرت تقنية تعدد الأصوات، والرمز والأسطورة، والانتقال في الأساليب بين الواقعي، والتاريخي، والرمزي، والفنتازي، وغيرها".
ويقول: "إن الأمثلة على هذا التطور والتغير كثيرة، لعلي أستشهد بأسماء روائية مبدعة في السنوات الخمسة الأخيرة، على سبيل التمثيل لا الحصر:
رواية "أشواك الرمال"، للروائية الإماراتية: نورة النومان، عام 2020، وقد عالجت فيها قضايا المرأة والهوية في بيئة صحراوية خيالية، بأسلوب رمزي جذاب، وقد أبدعت الروائية نورة في أدب الخيال العلمي، مما يفتح آفاق التأويل في رواياتها .
رواية "الغافة"، عام 2022، للروائية الإماراتية فاطمة المزروعي، وهي تمثل رمزاً للأصالة والهوية والحفاظ على الثقافة الإمارتية.
رواية "احتراق الرغبة"، للروائي الإماراتي: علي أبو الريش، ويتناول فيها صراعات النفس الإنسانية، بأسلوب فلسفي عميق.
رواية " القرية التي حلقت فوقها الملائكة " للروائي الإماراتي فيصل السويدي، 2023، وهي رواية فلسفية ذات أبعاد إنسانية موحية.
رواية: " رسائل عشاق"، 2024 للروائية الإماراتية فتحية النمر، وهي رواية وجدانية، ذات بعد عاطفي وإنساني متميز.
ويختم الدكتور عقيلي: " إن الرواية الإماراتية تمضي وبخطى ثابتة نحو العالمية، مستفيدة من زخم المشهد الثقافي المحلي والدعم اللامحدود في الإمارات، لترسم ملامح تطور ملحوظ في جودة الكتابة وتنوع الأصوات، ولتصبح بين جيل الرواد وجيل الأصوات الجديدة، مرآة تعكس تحولات الإنسان والمكان والزمان في ثوب إبداعي متميز".

أما الباحثة والناقدة الدكتورة موزة المنصوري فتقول: "الرواية من أكثر الفنون الأدبية التي تقدم صورة عن المجتمع، حيث وجد المبدع الإماراتي مساحة للتعبير عن أفكاره ورؤاه ضمن التغيرات المجتمعية، سواء كانت رواية واقعية تشرح طبيعة المجتمع، أو رواية تاريخية تحاول وضع إسقاطات التاريخ على الواقع، لذا كانت الرواية صورة مع الواقع الاجتماعي، ترصد تحولاته من منظورات مختلفة.
إن جوهر العمل الروائي هو في البحث عن حقائق لا تظهر للإنسان العادي، يلتقطها الروائي للتعرف على ذات الإنسان وعلاقته بالحياة، لذا فهي ملتقى لكل الأسئلة والنصوص والأمكنة والأزمنة والتنوع في السرد".
وتضيف: "الروائيون في الإمارات، أصحاب هموم وأفكار، ولديهم القدرة على إيصال الجنس الروائي إلى المكانة التي تليق به، ونقل الرواية بين الحدث القديم والذاكرة، وبين التيارات والأحداث الجديدة والمتسارعة في حركة المجتمع، وتصنف الروايات حسب الموضوع: رواية اجتماعية، ورواية تاريخية، وحسب المكان: رواية المدينة، والصحراء، والبحر، والريف، والرواية النسائية والرواية الذكورية، فضلاً عن الرواية التقليدية والحداثية، حسب المدرسة الفنية، ثم الرواية الواقعية، والرواية الرومانسية، حيث عاش الكاتب زمن انتقالات فكرية ومجتمعية وثقافية عديدة خلال فترة صغيرة جداً، مما دعاه للتأمل، لأن التغير كبير، والكاتب لديه تراث وقيم، لكن النتاج الروائي في الأعم، يسير وفق خط متنام، سريع في النمو والتواجد، يطور أدواته وفنونه؛ ليعط أفضل ما يمكنه، فالمشهد الروائي في الإمارات يراهن بقوة على المستقبل، بحيث تعبر الرواية الإماراتية اليوم عن نفسها بشكل أكثر صلابة، وبأبنية سردية متماسكة، وبنضج واضح في اللغة، واختيار الموضوعات وطرق التناول والمعالجة."
وتذكر المنصوري من الروايات: "وداد خليفة في روايتها "زمن السيداف"، ومريم الغفلي في "أيام الزغنبوت"، وميسون القاسمي "في فمي لؤلؤة"، ريم الكمالي في "سلطنة هرمز" و"تمثال دلما"، ونادية النجار في "ثلاثية الدال" وأمنيات سالم (حلم كزرقة البحر)، وناصر الظاهري (الطائر بجناح أبعد منه)، وناصر جبران (سيح المهب)، وعلي عبد العزيز الشرهان (عبود تاجر الفريج)، والأمير الثائر: للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
ومؤخرا ضمت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، في أحدث دوراتها، رواية "ملمس الضوء" للإماراتية نادية النجار، وفيها تعرض شخصية الأعمى الذي لا يمتلك ذاكرة بصرية، كيف يتخيل الأشياء من حوله وكيف يراها، فهو يرى العالم بطريقة مختلفة، كما تقوم الكاتبة بشرح التطبيقات الذكية التي تصف له الأشياء بدقة، وهي رواية تستحق الفوز والتكريم".