استخدم رئيس الحزب الديمقراطي الإسرائيلي، الذي ينتمي إلى يسار-الوسط، يائير غولان، في وقت سابق من الأسبوع، الخطاب الأقسى لانتقاد سلوك الحكومة في الحرب بقطاع غزة، إذ قال إن قتل الأطفال "صار هواية"، وتحدث عن "طرد السكان" و"القتال ضد المدنيين".
مستقبل غولان السياسي على المحك، مما يعطي ثقلاً أكبر لكلماته
وكتبت ليا غولدنبرغ في وكالة "أسوشيتدبرس" الأمريكية، أنه ليس أمراً غير عادي بالنسبة للسياسيين أن يوجهوا انتقادات لاستراتيجية الحرب التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، خصوصاً لناحية إخفاقه في تحرير الرهائن الذين تحتجزهم حماس. لكن ما جعل الكلام الصادر عن غولان استثنائياً- ومزعجاً بالنسبة لمسؤولين من مختلف الطيف السياسي- هو التركيز على محنة الفلسطينيين.
وفي مقابلة مع إذاعة "ريشت بيت" العامة الإسرائيلية، قال غولان - وهو جنرال سابق - إن إسرائيل صارت دولة منبوذة، وحذر من أن "الدولة العاقلة لا تنخرط في القتال ضد المدنيين، ولا تقتل الأطفال كهواية، ولا تضع لنفسها طرد السكان كهدف".
وبعد الضجة التي أثارها كلامه، قال غولان، إنه كان يشير في تصريحاته إلى سلوك الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، ولا يقصد سلوك جنودها.
صدمة
وشكلت تعليقات غولان صدمة للنظام، لأنه خارج اليسار المهمش سياسياً في البلاد، ونادراً ما ركز أحد علناً في إسرائيل على معاناة المدنيين الفلسطينيين وما يسقط من قتلى.
ومن الأسباب الكامنة وراء ذلك هي الصدمة التي لا يزال الإسرائيليون يشعرون بها بسبب الهجوم القاتل الذي شنته حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والإيمان العميق لدى المواطنين اليهود بصواب ما يقوم به الجيش، وبقاء العشرات من الرهائن في غزة، وموت الجنود في سبيل إنقاذهم.
وخلال الحرب، تركزت الانتقادات بشكل كبير على نتانياهو. ويعتقد معارضوه أن دوافعه السياسية هي التي أملت استراتيجيته الحربية وفشله في التوصل إلى اتفاق مع حماس، لإطلاق جميع الرهائن - وهو اتهام ينفيه نتانياهو.
ولفت رئيس الوزراء سابقاً إيهود أولمرت والناقد اللاذع للحكومة الحالية، إلى أن "جزءاً من الجمهور الإسرائيلي ووسائل الإعلام، لا يزال مهووساً بالصدمة الأولية التي أشعلت هذه الحرب. لكن هذا يتغير، وهي مسألة وقت فقط".
وتظهر استطلاعات الرأي، أن معظم الإسرائيليين يؤيدون إنهاء الحرب مقابل إطلاق سراح الرهائن الـ58 المتبقين الذين تحتجزهم حماس، والذين يقال إن نحو ثلثهم على قيد الحياة.
مصير الرهائن
ويركز معارضو الحرب على المخاوف بشأن مصير الرهائن المتبقين، وخطر سقوط قتلى من الجنود، في حملة يشعر كثيرون أنها وصلت إلى نهايتها.
وبينما اختلف أولمرت مع غولان في اختياره للكلمات، إلا أنه قال إن جوهر تصريحاته "يعكس ما يعتقده كثير من الناس".
وبعد هجوم حماس عام 2023، الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص واختطاف 251، حشد الإسرائيليون صفوفهم خلف الجيش. ورأوا في الحرب رداً عادلاً على أعنف هجوم في تاريخ إسرائيل. ولا يتصور كثير من الإسرائيليين مستقبلاً تبقى فيه حماس على حالها.
وأدت الحرب الإسرائيلية الانتقامية على غزة، إلى مقتل أكثر من 53 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً للسلطات الصحية المحلية، وأدى القتال إلى نزوح 90% من سكان القطاع، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، وإشعال فتيل أزمة جوع، فضلاً عن تدمير مساحات شاسعة من مدن غزة.
حماس المسؤولة
وبينما ركزت التغطية الإعلامية الدولية بشكل كبير على حرب غزة وضحاياها المدنيين هناك، لا تزال وسائل الإعلام الإسرائيلية تولي اهتماماً كبيراً لهجوم 7 أكتوبر نفسه وأزمة الرهائن، وتملأ صور الأسرى الشوارع.
أما الأنباء المتعلقة بمحنة المدنيين الفلسطينيين، فهي أقل بروزاً، وتتجنب إلى حد كبير الصور الأكثر قسوة الآتية من غزة. وتكرر معظم وسائل الإعلام الرواية الرسمية القائلة إن حماس وحدها هي المسؤولة عن الخسائر المدنية.
وساهم كل ذلك في ترسيخ السردية الوطنية، التي تنظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً وجودياً.
ويقول الباحث في معهد سياسة الشعب اليهودي شموئيل روزنر: "عندما تخوض حرب وجود، فإنك لا تفكر كثيراً في معاناة العدو".
وأثارت كلمات غولان، الذي تولى منصب نائب رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي السابق، استنكاراً واسعاً في الماضي. وكان أبرزها خطاب له في عام 2016 في مناسبة يوم ذكرى الهولوكوست في إسرائيل، عندما قارن ما وصفه بأجواء متطرفة في إسرائيل، بأجواء ألمانيا النازية.
ولا يعد غولان أول شخصية عامة، تدلي بمثل هذه التصريحات حول سلوك إسرائيل في غزة.
فقد اتهم وزير الدفاع رئيس الأركان السابق موشى يعالون، إسرائيل بالتطهير العرقي خلال عملية عسكرية واسعة النطاق العام الماضي. وسلطت زهافا غالون، الزعيمة السابقة لحزب سياسي معتدل، الضوء على مقتل آلاف الأطفال في احتجاج نُظّم مؤخراً في تل أبيب.
لكن على النقيض منهما، فإن مستقبل غولان السياسي على المحك، مما يعطي ثقلاً أكبر لكلماته.