تعتبر الباحثة السورية د. ميادة كيالي المقيمة في الإمارات العربية المتحدة منذ عشرين عاماً ذات حضور مميز في الوسط الثقافي، من خلال دار النشر التي أسستها، إذ تحرص على عقد جلسات حوار لإصدارات الدار التي تُعنى بالدراسات والأبحاث، وهي إصدارات تسهم في خلق فضاء معرفي حر ومبدع. في مسيرتها أيضاً أكثر من خمسة إصدارات في مجالي الأدب والبحث، آخرها "المرأة والألوهة المؤنثة" صدر عام 2015، و"هندسة الهيمنة على النساء، الزواج في حضارات العراق ومصر القديمة" صدر عام 2018.
التقاها موقع 24 للحديث حول اهتماماتها بالنشر ومعارض الكتب الأهم التي تحرص على المشاركة بها.
لحظة ثقافية استثنائية
منذ متى وأنتِ في خضم العمل الثقافي في الإمارات، وما أبرز المحطات والإنجازات؟
تقول كيالي: "وصلت إلى دولة الإمارات في نهاية عام 2006، في لحظة ثقافية استثنائية كانت تشهد فيها البلاد نهضة معرفية نوعية، وانفتاحاً كبيراً على الفكر والإبداع. منذ لحظة وصولي، شعرت أنني دخلت بيئة تحتفي بالمفكرين والمبدعين، وتفتح نوافذها لكلّ ما هو جميل وإنساني. كانت سعادتي غامرة حين حضرت أمسية لا تُنسى للشاعر الكبير محمود درويش، صدح فيها بقصيدة الحنين، وشهدت عرضاً مسرحياً مدهشاً من نمط "مونودراما" للفنان اللبناني رفيق علي أحمد، الذي صنع بمفرده وبمساعدة كرسي وإطار فقط عرضاً مكتمل الأبعاد، يفيض بالحياة. وحضرت محاضرة للفيلسوف محمد عابد الجابري، وشهدت عروضاً موسيقية لفرق عالمية مرموقة، كما استمتعت بصوت صباح فخري، وأداء ماجدة الرومي، وعذوبة أندريا بوتشيللي".

وتؤكد "أبوظبي كانت – ولا تزال – تنبض بالفن والجمال والمعرفة، تحتضن الفكر وتمنح الجمهور فسحةً حقيقية للدهشة والتأمل. بدأت مشاركتي الفعلية في العمل الثقافي في عام 2007 من خلال الإسهام في مشروع ترجمة فكر د. محمد شحرور إلى الإنجليزية، وقد تابعت المشروع حتى نُشر مع دار Brill".
وتابعت "لاحقاً، أسست مركز دراسات في أبوظبي لدعم المفكرين، اشتغلنا فيه على مشاريع معرفية مرتبطة بأسماء كبار المفكرين مثل محمد شحرور، جمال البنا، عبدالجواد ياسين، وأبوالقاسم حاج حمد وغيرهم".
وفي عام 2013، ساهمت كيالي في تأسيس "مؤمنون بلا حدود" كمؤسسة دراسات عربية تُعنى بسؤال الفلسفة والدين، ثم أسست دار نشر "مؤمنون بلا حدود" في بيروت عام 2015، لتكون ضمن اتحاد الناشرين العرب واللبنانيين، ولاحقاً في عام 2020، أسست فرعاً لدار النشر في الشارقة، لتنضم بذلك إلى جمعية الناشرين الإماراتيين.
وتوضح "هذه المسيرة التي امتدت على مدى تسعة عشر عاماً لا يمكن اختزالها بسهولة، لكنها تظل بالنسبة لي تعبيراً حياً عن إيماني العميق بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية، وأن بناء الإنسان يبدأ من بناء الوعي، والكلمة هي لبنة هذا البناء".

ذكرى تأسيسية
يُلاحظ حرصك على المشاركة في دورات معرض أبوظبي الدولي للكتاب أكثر من غيره من المعارض المحلّية، لماذا؟
تجيب كيالي "صحيح، لأن لهذا المعرض مكانة خاصة في قلبي، لا يضاهيها معرض آخر. فذكرياتي فيه ليست مجرد محطات مهنية، بل محطات تحول شخصي وفكري. ففي عام 2007 كنت أتجوّل في أروقته كزائرة وبدأت بتأسيس مكتبتي، هذه المكتبة اليوم تحتوي على ما يزيد عن خمسة آلاف عنوان، منها أربعمئة عنوان كنت السبب في إبصارها النور. وفي عام 2016 كنت الناشرة التي شاركت لأول مرة بجناح لدار "مؤمنون بلا حدود". وكانت إدارة المعرض داعمة بشكل لافت حينها ولا تزال، منحتني جناحاً دون رسوم وقدّمت تسهيلات مشجعة، مما جعل مشاركتي الأولى في المعارض كناشرة ذكرى تأسيسية لا تُنسى".
وتتابع "ليس هذا فحسب، بل كان المعرض يرتبط في كل دورة بمحطة من محطات مهمّة في حياتي، أول كتاب إبداعي لي وقعته في معرض أبوظبي عام 2010، وثاني كتاب عام 2013، ثم نشرت مشروعي الأكاديمي الذي ترافق مع نيلي درجتي الماجستير والدكتوراه، في إصدارين الأول عام 2015، والثاني عام 2018".
وتضيف "يعتبر معرض أبوظبي في كلّ عام، محطة تقييم ذاتي وتطور داخلي، لا فقط من حيث ما أقدمه، بل من حيث ما أتعلمه، وما أراه من تفاعل الجمهور والمهتمين بالكتاب. فالإمارات، وتحديداً أبوظبي، كانت الأرض التي شهدت كل تحولاتي، واحتضنتني في كل مراحل النضج والنمو، وحققت لي أعظم رسالة كنت أحلم بها: أن أكون جزءاً فاعلاً في نشر الفكر والمعرفة".

يُلاحظ هذا العام حرصك على المشاركة في معارض عربية مميزة أيضاً، فهل تكررين المشاركة في معارض معينة، أم تسعين إلى التنويع، ولماذا؟
تقول كيالي: "أحرص على المشاركة في جميع المعارض الممكنة، سواء كانت عربية أم دولية، انطلاقاً من إيماني العميق برسالة الكتاب وضرورة إيصال المعرفة إلى كل قارئ وباحث وطالب علم. لكن، كما هو معروف، فإن واقع المشاركة لا يخضع فقط للرغبة، بل هناك العديد من الظروف التي قد تعرقل هذا الحضور".
وتتابع "ومن أبرز التحديات التي واجهتني في بعض السنوات كانت القيود المرتبطة بالتأشيرات (الفيزا)، بالإضافة إلى الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها بعض الدول العربية، ما حال دون تنظيم بعض المعارض أو مشاركتنا فيها. كما شكّل تداخل مواعيد المعارض أحياناً عائقاً عملياً، وفرض علينا اختيار المشاركة في أحدها على حساب الآخر".
وتضيف "ماعدا ذلك، فأنا أسعى دائماً إلى تحقيق التنوع في المشاركة، مع الحفاظ على استمرارية الحضور في المعارض الكبرى والمؤثرة. فكل معرض هو نافذة جديدة للقاء جمهور مختلف، وتبادل الخبرات مع ناشرين ومثقفين من خلفيات متنوعة. فهدفي في النهاية، أن أُوصل إصدارات المؤسسة إلى أكبر عدد ممكن من القراء في الوطن العربي وخارجه، لأنني أؤمن أن الكتاب الجادّ لا بد أن يجد طريقه إلى العقول الناضجة أينما كانت.

تقدير واعتراف
هل حصدت إصدارات "مؤمنون بلا حدود" جوائز؟ وماذا تعني لك الجوائز كباحثة وناشرة كتب؟ وما هي الجائزة الأهم من وجهة نظرك في الإمارات؟
تقول كيالي: "نعم، منذ انطلاقتها، حصدت "مؤمنون بلا حدود" العديد من الجوائز التي كرّمت المحتوى والإخراج على حد سواء. من أبرزها جائزة أفضل إخراج كتاب للكبار في معرض بيروت الدولي للكتاب عام 2016 عن إصدارنا "المصحف وقراءاته". وفي عام 2018، نال المؤلف التونسي فتحي إنقزو جائزة فاطمة الحداد للدراسات الفلسفية في معرض تونس الدولي للكتاب عن كتابه "معرفة المعروف: تحولات التأويلية من شلايرماخر إلى دلتاي"، كما حصل كتاب "الجهل المركب" للمفكر المغربي عياد أبلال على جائزة المغرب للكتاب في صنف العلوم الاجتماعية عام 2019. أما في 2020، فقد فاز كتاب الجهادية: عودة القربان، بترجمة يونس الزواوين وعبدالحق بتكمنتي، بجائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة في دورتها الثالثة عشرة".
وتوضح "إضافة إلى ذلك، وصلت العديد من إصداراتنا إلى القوائم الطويلة والقصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، منذ دورة 2019، وفي كل دورة تلتها، كان آخرها لهذا العام ترشح كتابين وصلا للقائمة القصيرة، الأول كتاب "في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية" للدكتور حسام الدين درويش، والثاني كتاب "ما بعد الإسلام السياسي" للدكتور محمد محفوظ".
وتتابع "إلى جانب الجوائز، نالت مؤمنون بلا حدود تصنيفات متقدمة في تقارير بحثية تناولت الإنتاج المعرفي للمؤسسات في حقل الدراسات الدينية، ما يُعدّ شهادة موضوعية على حضورنا المؤثر في هذا المجال".
وتضيف "أما عن معنى الجوائز بالنسبة لي، فهي تعني التقدير والاعتراف بجهود الباحثين والناشرين، ولكنها في الوقت ذاته تضع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة. نحن لا نعمل لأجل الجوائز، بل لأجل إنتاج فكر يحترم القارئ ويثير أسئلته، ويستجيب لتطلعاته في المعرفة والتجديد".
"أما أهم جائزة في الإمارات من وجهة نظري، فهي جائزة الشيخ زايد للكتاب، وليس على صعيد الإمارات فحسب، بل على الصعيدين العربي والعالمي، لما تمثّله من مكانة مرموقة في العالم العربي، ولمعاييرها العلمية العالية، ولحرصها على تكريم الفكر الجاد في جميع مجالاته: من الفلسفة والترجمة إلى الدراسات الإسلامية والتنمية والآداب. هي أكثر من جائزة، إنها مؤسسة معرفية تكرّس تقاليد ثقافية نبيلة، ونحن نفخر بأن تكون كتبنا جزءاً من هذا المسار".

تم في إحدى أمسيات الدورة الأخيرة التي عقدت في معرض أبوظبي الدولي للكتاب تكريم رمزين من رموز النشر والمعرفة: بسام شبارو وعلي بن حاتم. ما الذي عنى لك هذا التكريم؟ وما أهميته في نظرك؟ وهل تأملين في تكريم مماثل له يوماً ما؟
سارعت كيالي قائلة: "أما عن سؤالك: هل آمل في تكريم مماثل؟.. لا آمل بمثل ذلك حالياً، فقد تم تكريمهما بعد الموت، في ذكرى الرحيل، آمل في ذلك قبل الرحيل".
وتابعت "بالنسبة لي، وبوصفي ناشرة وصاحبة مشروع فكري امتد لسنوات في قلب العمل الثقافي العربي، لم يكن هذا التكريم مجرد احتفاء بأشخاص، بل تكريماً لمسيرة بأكملها، ولرسالة أؤمن بها دوماً، وهي: أن الكلمة هي الأثر الحقيقي الذي يخلّد الإنسان".
وتلفت "تساءلت في صمت في تلك الأمسية: (أيّ أثر سيحمله أولادنا عنّا حين نصير ذكرى؟) وفي داخلي، ترددت وصية أمّي الراحلة، التي قالت لي يوماً: (من يأتي إلى هذه الدنيا ويرحل دون أن يترك أثراً، فكأنما كان حضوره فيها عبثاً). لهذا، أرى أن تكريم الناشر بعد رحيله هو التأكيد أن حضوره لم يكن عبثياً، وأن ما زرعه من فكر ووعي قد أثمر في ذاكرة الأجيال".
معك في رفض تكريم مماثل، لأجل تكريس تقليد التكريم لأصحاب الأثر والذين يستحقونه أحياء.
تقول كيالي: "بالضبط، لأن الذي يستحقه، يجب أن يتم في حياته ويشهده ويفرح به. شخصياً لا أسعى إلى التكريم في حد ذاته، بقدر ما أسعى إلى ترك بصمة حقيقية، فكرية وإنسانية، تشهد أنني مررت من هنا".
وتضيف "بلا شك إن أجمل تكريم يمكن أن يُهدى لنا هو أن يبقى أثرنا ناطقاً في كتبنا، في قرائنا، وفيمن تابعوا مشروعنا وآمنوا بقيمته. وإذا جاء يوم يُقال فيه إن ما أنجزته ساهم في بناء وعي أو تحرير فكر، فذلك، بالنسبة لي، هو أعظم الأوسمة".
مشهد متجدد
ما الكتاب الذي لفت نظرك من الإصدارات الجديدة لأدباء الإمارات في هذه الدورة من المعرض، ولماذا؟
تجيب كيالي، قائلة: "في الحقيقة، لفتتني العديد من الإصدارات الجديدة التي أطلقها أدباء الإمارات في هذه الدورة، ليس فقط من حيث جودة النصوص وتنوع الأساليب، بل من حيث النضج الفكري الذي يحمله هذا الجيل. ما أدهشني حقاً هو أنني كنت شاهدة على البدايات الأولى لهذه الطاقات حين كانت لا تزال بذوراً تُزرع في المدارس، واليوم أراها تُثمر على رفوف المعارض وفي قوائم النشر والتوزيع".
وتضيف "تأثرت كثيراً برؤية هذا الكم الهائل من الكُتّاب الشباب الذين يتناولون موضوعات متعددة، تتراوح بين القضايا الإنسانية، والهويات الثقافية، والأسئلة الفلسفية، واللغة الشعرية الرصينة، والنثر المتجدد. وكذلك الحضور اللافت لناشرين إماراتيين من الجيل الجديد، الذين لا يحملون فقط همّ الكتاب، بل يمتلكون أدواته، وشغفه، ورؤيته المستقبلية".
وتتابع "هذا المشهد أعادني إلى عام 2007، حين كنت أرافق أبنائي وهم أطفال إلى المعرض، وأشاهد كيف يحصل الطلاب على كوبونات لشراء الكتب، وكيف تكرَّم المدارس التي تشجع طلابها على القراءة. كنت أراقب هذا التأسيس التربوي البناء وأقول في نفسي: "هذا جيل سيفاجئنا ذات يوم". وها هو اليوم يفاجئنا فعلاً، جيل كان طالباً بالأمس، وأصبح اليوم كاتباً، وناشراً، ومفكراً، وصاحب مشروع ثقافي واضح المعالم".
وتوجه رسالة قائلة: "أبارك للإمارات هذا الجيل الذي يحمل اللغة بتمكّن، ويكتب بالفكر، ويحضر بالصوت والإبداع، وأتمنى أن يستمرّ هذا التميز ليكون رافداً متجدداً للمشهد الثقافي العربي، بل والعالمي".

ثمة تنوع في اللقاءات التي تعقدينها خلال معرض أبوظبي، مرة كنتِ فيها المُحاوِرة، ومرة المُحاوَرة. هل تبنينها على إصدارات جديدة كنوع من الترويج، أم أن لها خلفية أخرى؟ وهل يمكنك استعادة أبرز الأسماء التي شاركت معكم؟
تقول كيالي: "النشر بالنسبة لي كان ولا يزال مشروعاً إنسانياً ومعرفياً بامتياز، غايته الأساسية المساهمة في بناء العقل العربي الحرّ والواعي، لا مجرد تسويق منتج".
وتلفت "نعم، حين نصدر كتاباً جديداً مهماً، نحرص على تخصيص ندوات أو جلسات حوارية لتقديمه والتعريف به، لكنني لا أراها ترويجاً (لأن كلمة ترويج بالنسبة لي تحمل أحياناً إيحاءً تجارياً لا يتوافق تماماً مع ما أؤمن به في عالم النشر) وهي جلسات بمقدار ما أراها استكمالاً لدورة حياة الكتاب الفكرية: منذ مراحله الأولى في الترجمة أو الإعداد، مروراً بالمراجعة والتدقيق، ثم النشر، وصولاً إلى خلق منصة حوارية حوله، سواء من خلال قراءة نقدية أو حوار مع المؤلف أو ندوة فكرية".
وتشير "أتنقل خلال دورات معرض أبوظبي، بين أدوار مختلفة: مرة كمُحاوِرة تدير النقاش، ومرة كمُحاوَر أشارك فيها برؤيتي وأفكاري وتجربتي مع النشر والكتب. لكن الدافع في الحالتين واحد: الاحتفاء بالفكر وتقديمه بطريقة حيوية تتجاوز صفحات الورق".
وتختتم "لقد استضفنا عبر هذه اللقاءات نخبة من أهم المفكرين والأكاديميين العرب والغربيين، منهم: مع حفظ الألقاب: عبدالله ولد أباه، أحمد برقاوي، رضوان السيد، سلطان العميمي، شتيفان فايدنر، هانس كوكْلر، محمد حبش، ناجية الوريمي، عفراء جلبي، نعمت برزنجي، زهيدة درويش، نجيب عوض، حميد لشهب، محمد محجوب، عبدالمجيد الشرفي... والقائمة تطول، ولا يتسع المجال لحصر جميع الأسماء التي أغنت هذه اللقاءات بأفكارها ورؤاها. فهذه الجلسات هي امتداد طبيعي للمشروع الذي أحمله، وهي مساحة للتفكير المشترك، ولتحويل المعرفة من نصوص صامتة إلى حوار حي يليق بالكتاب وبمن يؤمن بقوته".