في مدينة اعتادت أن تكون منارةً للضوء والمعرفة وملتقى للحضارات، استقبلت باريس لحظة فارقة لم تكن محصورةً في بُعدها البروتوكولي أو المؤسّسي، بل كانت تجسيداً حيّاً لمعادلة نادرة: كيف يمكن للُّغة أن تعبر العصور، وأن تستأنف حضورها من خلال مشروع فكري عابِر للزمن، ينطلق من ذخائر الماضي ليؤسّس للمستقبل. ذلك ما شهدناه حين احتضن مقرّ منظمة اليونسكو حدثًا مزدوجًا: توقيع اتفاقية دعم المعجم التاريخي للغة العربية، والشروع في رقمنة أرشيف المنظمة الوثائقي.
لم يكن الحدث عاديّاً ولا عابراً، بل كان لحظةً مفصليّة في مسار اللغة العربية، أعادت تعريف العلاقة بين اللغة والهويّة، بين التراث والمعاصرة، وبين الإرث والابتكار. ففي زمن تتسابق فيه اللغات الحية نحو ترسيخ حضورها في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو العربية أمام منعطف محوري: إمّا أن تكون جزءا من خوارزميات المستقبل، أو أن تكتفي بالتأمل في أمجادها الماضية. من هنا، تصبح مشروعات المعجم والرقمنة أدوات استراتيجية لضمان حضور اللغة في تقنيات التعلم العميق، والترجمة الآلية، والمحتوى التفاعلي. وهو ما يسعى له المعجم التاريخيّ الذي سيشكل إضافة نوعية نحو خوارزميات المستقبل خاصة وأنّ مبادراته الرقمية أضحت بارزة ومتنوعة.
ولعل هذا المعجم الذي بات مفخرة إماراتية وعربية، برمزيته الثقافية واللغوية، يشكّل دعوة مفتوحة لتكامل الجهود العربية مثلما فعل، وتوحيد الطاقات البحثية والمجتمعية، لبناء منظومة معرفية تستعيد مكانة العربية بوصفها لغة علم وفكر وجمال وإبداع، لا لغة انكفاء وانزواء.
ولقد شهد هذا المشروع الكبير في إنجازه تعاونا بين المجامع العربية، واللغويين العرب يدعمهم في كل ذلك تنسيق تكنولوجي ملهم، بإشراف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. وقد أسهم الاستثمار الجيد للتكنولوجيا في إنجاز هذا المعجم التاريخي في سبع سنوات، في حين المعاجم الأخرى في اللغة الإنجليزية استغرق انجازها ما يزيد عن 70 عاما، ولذا فإن ما يبدأ بأدوات حديثة ومنهجية علمية إلكترونية تستفيد من أدوات العصر قادرة على النجاح والإنجاز، هو ما تدركه الإمارات وتعمل في نهجه. إن الإفادة من أدوات العصر وتقنياته المتعددة لا شك أنه يؤدي في المحصلة لمزيد من الدقة والعمق ويقود إلى الإنجاز بسرعة وبجودة عالية.
وما أشدّ المفارقة أن تنطلق مبادرة استئناف الحضارة العربية من قلب باريس، العاصمة التي شكّلت يومًا رمزًا لهيمنة لغوية وثقافية. لكن الاستدراك التاريخي يظل جوهرا راسخا للاعتزاز: حين تُعاد كتابة السردية، لا بلغة القوة، بل بقوة اللغة. هذه القوة الجمالية والتاريخية والثقافية تقودها الإمارات.
المعجم التاريخي، هذا المشروع الملهم الذي يتبنّاه مجمع اللغة العربية في الشارقة ليس عملاً لغويّاً فحسب، بل ميدان تأريخٍ شامل لحياة الكلمات وتحوّلاتها الدلالية والسياقية، بوصفها مرايا تعكس الحضارة، المعجم التاريخي، بهذا المعنى، لا يوثّق اللغة فحسب، بل يوثّق للإنسان العربي في مسيرته الوجودية والمعرفية. وتأتي رقمنة أرشيف اليونسكو لتمثّل الجانب التقني الذي يكمل المعنى الثقافي: إنقاذ الوثائق من التآكل، واستثمار الذكاء الاصطناعي في تحويل المعرفة إلى مورد متاح، مفتوح، تفاعُلي. إنها لحظة التقاء الماضي بالحاضر، حين تتحوّل المخطوطات من رفوف الأرشيف إلى منظومات معرفيّة تخدم الباحث والدارس وصانع القرار.
ولا تخلو رمزيّة التوقيت من دلالة بالغة، إذ تزامن الحدث مع اليوم العالمي للتّنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية. وهنا تظهر اللغة العربية، في امتدادها وتنوّعها، أداة جامعة، حاضِنةً لقِيَم التّنوّع ومفصلاً رئيسيّاً في هندسة الحوار الحضاري.
لقد مثل حضور الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بنفسه، بُعداً معنويّاً خاصّاً، لأنه ليس مجرد راعٍ لهذا المشروع، بل هو محرّكه الفكري والداعم الأول له. لقد كرّس سموّه عقودًا من جهده ومكانته لدعم الثقافة العربية بمختلف أشكالها، من المسرح إلى الكتاب، ومن معارض النشر إلى تأسيس المجامع اللغوية؛ أما دعمه للمعجم التاريخي، فهو تعبير عن إيمان عميق بأن اللغة هي أصل السيادة الثقافية، وهي بوابة الأمة نحو المعرفة والعالمية، وربما لا يخفى أن هذه المبادرة تأتي في انسجام كامل مع المشروع الثقافي الأوسع لدولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يضع اللغة في صلب السيادة الثقافية، ويرى أن الدفاع عن الهوية يبدأ من حماية لسانها. من هذا المنطلق، لم تكن مبادرات الإمارات في مجال اللغة العربية ارتجالاً ظرفيّاً، بل رؤية مؤسسية واضحة، تتجلّى في إطلاق المراكز، وتطوير المناهج، ودعم المؤسسات البحثية، وصياغة شراكات دولية تعيد للعربية اعتبارها ضمن خرائط التأثير الثقافي.
المعجم التاريخي ليس مجرّد مشروع لغوي، بل أداة لبناء الوعي، ووسيلة لتجديد العلاقة بين العرب ولغتهم، وتثبيت موقعهم في خارطة اللغات الكبرى. والحدث الذي جرى في باريس هو أكثر من إعلان عن تعاون مؤسسي، إنه بلاغ ثقافي جديد: أن اللغة العربية قادرة على إنتاج المعرفة، وصياغة المستقبل، والدخول إلى العصر الرقمي لا على استحياء، بل عبر مشروعات راسخة تمتلك أدواتها ورؤيتها، وتستند إلى إرادة سياسية وثقافية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تبادر بالفعل.
وحين تتبنّى باريس، عبر اليونسكو، هذا النوع من المبادرات، فإنها تعيد اللغة العربية إلى موقعها الطبيعي في مراكز القرار الثقافي الدولي، ليس بوصفها لغةَ تُراث، بل لغة حياة. وهنا يكمن التّحوّل: من الفخر بالماضي إلى تصميم المستقبل، وهو الأساس الفكري لمشروع استئناف الحضارة الذي تقوده الإمارات.