دعا سعيد قاسمي نجاد، المستشار الأول لشؤون إيران والاقتصاد المالي في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" الأمريكية، إلى تبني موقف حازم وصارم يمنع إيران من أي قدرة على تخصيب اليورانيوم، حتى في إطار برنامج نووي مدني.

وقال الكاتب المتخصص في الشأن الاقتصادي الإيراني، في مقاله بموقع مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية، إن مجرد السماح لطهران بالاحتفاظ بقدرات تخصيب، مهما كانت محدودة، يمثل خطراً جسيماً على الأمن الإقليمي والدولي، ويشكّل تمهيداً غير مباشر، بل مقصوداً، نحو امتلاكها سلاحاً نووياً، لا يستطيع العالم تحمّل تبعاته.

البرنامج المدني غطاء خطير لطموحات عسكرية

وحذر الكاتب من الانخداع بالدوافع المدنية المزعومة للبرنامج النووي الإيراني، موضحاً أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 3-5% لاستخدامه كوقود للمفاعلات لا يخلو من المخاطر، إذ يُكسب إيران الخبرة التقنية والقدرة التشغيلية، ومخزوناً من المواد الانشطارية التي تقرّبها بشكل كبير من حافة "الاختراق النووي"؛ أي بلوغ نسبة تخصيب 90% اللازمة لصنع سلاح نووي.

ويذكّر الكاتب بأن تاريخ الانتشار النووي مليء بحالات استُخدمت فيها البرامج المدنية كغطاء لتطوير القدرات العسكرية.
وفي حالة إيران، يتضاعف الخطر بفعل الغموض الذي يكتنف صنع القرار في طهران، وسِجل النظام الحافل بالكذب والخداع، ودعمه المستمر للإرهاب والتزامه الأيديولوجي بتدمير إسرائيل، ومعاداة الولايات المتحدة. 

وأكد الكاتب أن الطبيعة المزدوجة لتكنولوجيا التخصيب تعني أن كل منشأة تُنتج وقوداً نووياً يمكن إعادة توجيهها بسرعة نسبية لإنتاج مادة انشطارية تصلح لصنع قنبلة.

أيديولوجيا معادية وسلوك عدواني

وأوضح الكاتب أن الخطر التقني الذي يمثله التخصيب يتضاعف بالنظر إلى طبيعة النظام الإيراني القائم على شعارات مثل "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"، معتبراً أن هذه العبارات ليست خطاباً سياسياً، بل تعبيراً عن أيديولوجيا متأصلة، تنعكس في سلوك عدائي ممنهج.

وأشار الكاتب إلى أن النظام الإيراني يُعدّ "الراعي الأول" للإرهاب في العالم، إذ يسخّر ثروات شعبه لتمويل شبكة من الوكلاء المسلحين في المنطقة، بدءاً من "حزب الله" في لبنان، مروراً بالميليشيات الشيعية في العراق، إلى ميليشيا "الحوثيين" في اليمن. وتعمل هذه الجماعات على زعزعة استقرار الشرق الأوسط.

ويضيف الكاتب: "تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي الأخيرة، التي دعا فيها صراحة إلى القضاء على إسرائيل وطرد الولايات المتحدة من المنطقة، تفضح نوايا النظام في الهيمنة الإقليمية".

وحذّر الكاتب من أن تحقيق هذه الأهداف، في ظل امتلاك سلاح نووي أو القدرة على إنتاجه عند الحاجة، سيؤدي إلى خلخلة التوازن الإقليمي، خاصة في منطقة تُعد المصدر الرئيس للنفط والغاز في العالم.

خطر انتشار نووي في المنطقة

وأكد قاسمي نجاد أن السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم سيفتح باباً واسعاً أمام سباق تسلّح نووي في المنطقة. وإذا ما حصلت طهران على هذا الامتياز، فبأي منطق يُمكن منع دول أخرى من المطالبة بحق مماثل؟، محذراً من انزلاق المنطقة إلى حالة من "الانتشار التسلسلي" النووي، حيث تصبح عدة دول على أعتاب امتلاك السلاح النووي، بما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود، أو حتى اندلاع حرب نووية مدمّرة.

الإرهاب النووي: الكابوس الأعظم

وقال الكاتب: لا يقتصر خطر التخصيب الإيراني على الدول فحسب، بل يشمل إمكانية وصول مواد أو تقنيات نووية إلى أيدي جماعات إرهابية مثل "داعش" و"القاعدة" وغيرها من التنظيمات المتطرفة.

وأضاف: إن مجرد وجود منشآت تخصيب في منطقة تعجّ بهذه الجماعات هو تهديد لا يُحتمل، محذراً من سيناريوهات مرعبة تشمل تهريب مواد انشطارية أو حتى تطوير "قنبلة بدائية" تسقط في أيدي المتطرفين، مما يشكّل خطراً وجودياً يتجاوز الشرق الأوسط، ليطال الأمن القومي الأمريكي نفسه.

توصيات: لا تنازل ولا استثناء

وأشار الكاتب إلى الموقف المتصلّب الذي تتبناه إدارة ترامب وبعض مسؤوليها، والذي يقضي بحرمان إيران كلياً من أي قدرة على التخصيب. 

وأوضح الكاتب أن تحقيق هذا الهدف يتطلب "تفكيكاً كاملاً، يمكن التحقق منه، ولا رجعة فيه" للبنية التحتية الخاصة بالتخصيب. ويشمل ذلك تدمير منشآت سرية مثل "فوردو" و"نطنز"، وإنهاء إنتاج أجهزة الطرد المركزي، ووقف كافة الأبحاث المتعلقة بالاستخدامات المزدوجة. 

استراتيجية شاملة: لا للتخصيب ولا الابتزاز المالي

لا يرى الكاتب أن حلّ الأزمة النووية هو الغاية الوحيدة، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لمواجهة السلوك الإيراني العدواني. ويطالب بالتصدّي لبرنامج الصواريخ الباليستية، ودعم النظام للإرهاب، ومحاولاته المستمرة لزعزعة استقرار الدول المجاورة. 

كما حذّر الكاتب من تقديم أي مكافآت مالية للنظام، سواء عبر تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة، لأنها ستُستخدم لتمويل الأجندات العدائية.

دعم تطلعات الشعب الإيراني

ودعا قاسمي نجاد، في ختام مقاله، إلى التمييز بين النظام والشعب الإيراني، مشيراً إلى أن ملايين الإيرانيين يتطلعون إلى الحرية والكرامة والحكم الرشيد وعلاقات سلمية مع العالم.
ورأى أن أي سياسة ناجحة تجاه إيران يجب أن تجمع بين "أقصى ضغط" على النظام و"أقصى دعم" للشعب، باعتبارها المسار الأكثر واقعية لتحقيق شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً.