توفي أمس الأول الشاعر العراقي فلاح الشابندر في بغداد عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد مسيرة أدبية غنية أثرت في الشعر العراقي والعربي، ويعتبر الراحل من الأصوات الشعرية البارزة التي ساهمت في تطوير الشعر العربي المعاصر، من خلال لغته الخاصة ورؤيته الفلسفية العميقة.

وُلد الشابندر في بغداد عام 1949، ونشأ في بيئة ثقافية غنية، حيث ينتمي إلى عائلة معروفة بالفكر والأدب، وهو شقيق المفكر غالب الشابندر، وقد بدأ الشاعر فلاح مسيرته الشعرية في ستينيات القرن العشرين، متأثرًا بالتحولات السياسية والاجتماعية في العراق والمنطقة، وتميزت كتاباته بالتركيز على الإنسان، العزلة، والبحث عن المعنى في عالم متغير.

صدرت له عدة أعمال ومن أبرزها "حائط أحدب" وهي مجموعة شعرية صادرة عن دار العارف للمطبوعات، تتميز بتكثيف لغوي وتأملات فلسفية عميقة، وقد حظيت أعمال الشابندر بتقدير النقاد، حيث أشاروا إلى اللغة الشعرية التي تميز فيها حيث استخدم لغة مكثفة ومشحونة بالمعاني، مما خلق تجربة شعرية فريدة، ولفت آخرون إلى الرمزية التي غلبت على كتاباته الشعرية، والتأمل، وتوظيفه للرموز والتأملات الفلسفية التي تعكس عمق تجربته الإنسانية.

 ومن يتتبع سيرة ومسيرة الشاعر العراقي فلاح الشابندر، يلاحظ وجود مجموعة من العوامل التي أثّرت بعمق في تشكيل موهبته وصقلها، سواء على المستوى الثقافي أو الإنساني أو الوجداني، ومنها البيئة العائلية والثقافية، فقد ولد في عائلة فكرية وثقافية بارزة في بغداد، وكان شقيقه غالب الشابندر من المفكرين المعروفين، مما وفر له بيئة حوار ثقافي وفلسفي مفتوح منذ الطفولة، ولا شك أن هذا الانغماس المبكر في النقاشات الفكرية والتاريخية والدينية، ساعد على تشكيل رؤيته الوجودية في القصيدة.

وكان شاعرنا عاشقا للقراءة منذ الطفولة، فقد ساهمت القراءة المبكرة والمتنوعة، في تشكيل وتطوير موهبته، حيث قرأ منذ سنوات مراهقته لكبار الشعراء العرب والأجانب مثل بدر شاكر السياب، الجواهري، إليوت، وبودلير، ولم تكن قراءاته تقتصر على الشعر فقط، بل امتدت إلى الفلسفة والتاريخ السياسي، مما أثرى معجمه الشعري وأسلوبه التأملي.

وكما هو معروف عن الشعراء حساسيتهم العالية تجاه التحولات السياسية والاجتماعية، فقد تأثر كثيرا بالتحولات التي شهدها وطنه العراق، وعاش الشابندر في ظل تقلبات سياسية حادة (الانقلابات، الحروب، الحصار، الاحتلال)، وكان لها أثر مباشر على نفسيته، وانعكست هذه الأحداث بكل ما فيها من قسوة وقهر، ومآسي ومشاهد مؤلمة، انعكس ذلك على كتاباته، حيث تحوّل النص عنده إلى صرخة وجودية أو وثيقة ألم جماعي.

وفي فترات من حياته عاش الشاعر بعيدًا عن العراق، حيث عانى من تجربة الغربة والعزلة، وتنقل بين عدة بلدان، مما أضفى على نصوصه طابعًا من الحنين الممزوج بالفقد والاغتراب، فقد كانت الغربة حافزًا له للتأمل في الذات، ومساءلة المعنى، وهذا واضح في لغته التي تميل إلى العمق والكثافة.

وأثناء وجوده في بغداد كان على احتكاك مباشر بالوسط الثقافي البغدادي، وكان قريبا من الأوساط الأدبية تحديدا، وشارك في عدة حلقات أدبية وندوات ثقافية، ولا شك أن احتكاكه بنخبة الشعراء والكتاب، ساعده في صقل أسلوبه، وتحديد صوته الخاص، بعيدًا عن التقليد أو الصيغة الجاهزة، ومن يقرأ قصائد الشابندر يشعر بقوة معاناته الشخصية، فقد عانى في حياته من الخذلان الإنساني والخسارات المتكررة، وهي مشاعر تجلّت في كتاباته التي اتسمت بالحزن الراقي والتأمل الفلسفي، مما جعل كثير من النقاد يشيرون إلى أن قصائده كانت بمثابة مرآة لروحه المجروحة، ووسيلة لتجاوز الألم عبر الجمال، فكانت الكتابة بالنسبة له نجاة روحية، كما أنه تعامل مع الشعر بوصفه ملاذًا ومأوى وجوديًا، لا مجرد أداة تعبير.