حين ينادي النداء الأزلي: ﴿وأذِّنْ في الناس بالحج﴾، تتحرّك الأرواح قبل الأجساد، وتشرئبّ القلوب إلى البيت العتيق، كأنّ في داخل كل مسلم قِبلةً ثانية تتجه إلى الله بالحنين قبل الخطى. فالحج ليس مجرّد فريضة زمنية تُؤدى في أيام معلومة، بل هو سفرٌ إلى الداخل، عبورٌ من ظلمة الانشغال إلى نور الانجذاب، ومن ضجيج العالم إلى سكينة المناجاة. منذ فجر الإسلام، ظلّ الحج تجربةً تتجاوز الفعل إلى المعنى، وتحوّل الإنسان من كائنٍ عابر إلى شاهدٍ على التوحيد، منغمسٍ في الذكر، متخفّف من أثقال الأنانية ومقاييس الدنيا. 
في الحج، تنسلخ الذات من رداء التمييز الطبقي والاجتماعي، فيقف الجميع على صعيدٍ واحد، متجرّدين من الهوية الظاهرية، ليتوحّدوا في هوية واحدة: العبودية لله. قد كان لهذه الفريضة صدى عميق في الوجدان الجمعي لشعوب العالم الإسلامي، ومنهم أهل الإمارات الذين اختزنوا في ذاكرتهم قصصاً لا تُروى إلا بدمع الشوق وعرق الرحلة. 

فقبل عقود ليست ببعيدة، كان الحاج الإماراتي يقضي شهوراً في طريقه إلى مكة، يركب البحر من موانئ دبي، أو يسلك الصحراء من المزيرع وليوا وغياثي والسلع، يرافقه زاده من التمر والماء، ودعاء أهله وهم يلوّحون له بأكفّ ترتجف من الفقد والرجاء. لم يكن الطريق معبّداً، ولا الرفقة مضمونة، لكنّ القلب كان معبّداً باليقين. وكم من حاجٍّ باع ناقة سباق ليحج، وكم من امرأة حجّت على ظهر الجمل بصحبة محرم، وكم من مبشّر سار من قرية إلى قرية يزفّ خبر عودة القوافل! مشاهد لا تصنعها التكنولوجيا، بل تصنعها العقيدة، وتؤرّخها المحبة. 
كانت لحظات وداع الحاج قديماً في الإمارات مشهداً مهيباً لا يُنسى، تختلط فيه مشاعر الهيبة والدمع والدعاء. يخرج الأهالي لوداع أحبتهم كمن يودّع مسافراً إلى مصير مجهول، يدركون جميعاً أن الطريق محفوف بالمخاطر، وأن الغياب قد يطول، وربما لا يعود الحاج إلا بعد أشهر أو سنة، وربما لا يعود أبداً. يُقبل الأهل على الحاج بالعناق والدموع، وتُعقد المجالس في البيوت والدروب لتوديعه، وتُتبادل الوصايا وكأنها اللحظة الأخيرة. وترافقه نظرات الأمهات، ودموع الزوجات، وتعلّق الأطفال بثيابه، فيما يردّد المودِّعون الأدعية وتغمرهم رهبة الموقف.

كان الحج آنذاك رحلة إيمان، ولكنها أيضاً رحلة فراق مؤلم، لا يخفّف من وطأته سوى اليقين بأن المسافر ذاهب إلى بيت الله، وأن الدعاء سيظل موصولاً حتى يعود، أو يُكتب له لقاءٌ هناك لا في الدنيا، بل في رحاب الآخرة. 
وقد حرص الأرشيف والمكتبة الوطنية على توثيق هذه الروايات في سلسلة “ذاكرتهم تاريخنا”، فسجّل شهادات نادرة تعبّر عن توق الإنسان الإماراتي للحج، وعن صبره وتفانيه في سبيل بلوغ الحرمين. من بين هذه الروايات، نقرأ عن الأعلام التي كانت تُرفع على بيوت العائدين من الحج، وعن الولائم، والسبح، والماء الزمزمي، وعن فرحة الأحياء بعودة أحدهم، وكأنهم استعادوا قطعة من الجنة. وسنكون ممتنين في الأرشيف والمكتبة الوطنية لكل من يزودنا من أرشيفه الخاص بوثائق أو صور عن رحلات الحج قديماً. 
ولا تكتمل هذه الذاكرة إلا برحلة المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى بيت الله الحرام. لقد ذهب حاجاً متواضعاً، لكنه عاد محمّلاً برؤية روحية لبناء وطن. كان يؤمن أن الحج لا يقتصر على المناسك، بل يتجاوزها إلى بناء الذات، واستلهام قيم الرحمة والتكافل، وهو ما أسّس عليه رؤيته للدولة التي أرادها مأوى للعطاء والعدالة والتسامح.

واليوم، تغيّرت الوسائل، وبقي المعنى. فالدولة، بقيادتها الرشيدة، لم تدّخر جهداً في تسهيل رحلة الحج؛ فأنشأت البعثات، وسخّرت الطواقم الطبية، وقدّمت الدعم اللوجستي، وابتكرت أدوات ذكية، لتجعل من هذه الرحلة تجربة متكاملة تليق بمكانة هذه الشعيرة في الضمير الوطني.
لكننا، ونحن في هذا العصر من الراحة والنظم والدعم، لا ينبغي أن ننسى رحلة الروح التي حجّت قبلنا، ولا ذاكرة الوطن التي حفظت دموع الحجيج وأهازيج الطريق وتلبياتهم، وماء الزمزم في علب التنك. فكلّ حاج اليوم، إنما يسير على خطى أجداده، ويحمل إرثهم في قلبه، وإن لم يشعر بثقل الرمال على قدميه.
ولإخوتنا وأهلنا الذين كتب الله لهم الحج هذا العام، نقول: يا ليتنا كنّا معكم... لا تنظروا إلى الحج كخاتمة، بل كبداية؛ بداية عهدٍ جديد مع الله، مع أنفسكم، ومع وطنكم. كونوا خير سفراء لقيم الإمارات، واجعلوا من طوافكم حول الكعبة طوافاً آخر حول القيم التي تربّيتم عليها. حجّوا بقلوبكم كما تحجّون بأجسادكم، وعودوا مشبعين بالنور، محمّلين برسائل السلام، مردّدين " لبيك اللهم لبيك، ومتمثلين هذه التلبية الجميلة في كل دربٍ من دروب الحياة.