قالت الباحثة شيرمين سيربست إن العراق يقف اليوم على مفترق طرق إقليمي نادر، بعد سقوط نظام بشار الأسد وبروز قيادة سورية جديدة بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع.
ومع الانفتاح الدولي التدريجي على هذا النظام الجديد، تتساءل سيربست المختصة في الشأن العراقي في تحليلها بموقع "المجلس الأطلسي"، إن كان العراق سيواصل تردده المزمن وخضوعه لسطوة الجماعات المسلحة، أم سيغتنم الفرصة ليعيد تشكيل علاقاته مع دمشق على أسس براغماتية متجددة؟
ازدواجية الموقف العراقي
وأشارت الكاتبة إلى الانقسام الواضح في الموقف العراقي إزاء التغيرات السورية: فمن جهة، اتخذت الحكومة العراقية خطوات حذرة نحو الاعتراف بالنظام الجديد، من بينها إرسال وفود رسمية ولقاء رئيس الوزراء العراقي بالرئيس الجديد في الدوحة. وهذه التحركات، بحسب سيربست، تمثل تحوّلاً في السياسة العراقية نحو الواقعية والانفتاح.
لكن على الجهة المقابلة، قوبلت هذه الجهود برفض شديد من الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران، التي شنّت حملات تشويه ضد الشرع، وهددت مشاركته في قمة بغداد العربية، مما أدّى إلى تراجع عدد من القادة العرب عن الحضور، وتم إفراغ القمة من بعدها الرمزي والدبلوماسي.
ماضٍ مضطرب وفرصة استراتيجية
وأشارت الباحثة إلى خلفية العلاقات المعقدة بين بغداد ودمشق، لافتةً إلى أن التعاون الاقتصادي بين البلدين بلغ ذروته قبل عام 2011، حيث كانت سوريا توفّر أكثر من 60% من واردات السوق العراقي. لكن اندلاع الثورة السورية ووقوف الميليشيات مع الأسد، قلب هذه العلاقة.
ومع ذلك، ظلّت التبادلات التجارية بين الجانبين قائمة بشكل محدود، لكن حصة المنتجات السورية تراجعت من 80% إلى 5% بحلول نهاية عام 2024، مما يبرز الحاجة الماسة إلى إعادة بناء جسور التعاون الاقتصادي.
القمة العربية تطالب بوقف إراقة الدماء في غزة - موقع 24أكد البيان الختامي لأعمال القمة العربية الـ34 في بغداد، اليوم السبت، رفضه القاطع لتهجير الشعب الفلسطيني، وأدان الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.
براغماتية جديدة
وأكدت الباحثة أهمية زيارة الوفد العراقي الأخيرة إلى دمشق، والذي ضمّ مسؤولين من جهاز الاستخبارات، ووزارات التجارة والنفط وحماية الحدود.
وركزت الزيارة على مشروع حيوي يتمثّل في إعادة تفعيل خط أنابيب النفط كركوك-بانياس، الذي من شأنه رفع القدرة التصديرية العراقية وزيادة خياراتها في الوصول إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط.
ورأت الباحثة أن بوسع العراق، بفضل قطاعه النفطي المنظم، أن يضطلع بدور محوري في إعادة إعمار سوريا، خاصة في ظل تراجع النفوذ الإيراني الذي خلّف فراغاً سياسياً واقتصادياً واضحاً.
العراق يرحب بقرار ترامب رفع العقوبات عن سوريا - موقع 24رحب الرئيس العراقي عبد اللطيف جمال رشيد، اليوم الجمعة، بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفع العقوبات على سوريا.
معضلة الأمن والسيطرة الحدودية
وأكدت الكاتبة أن الأمن يظلّ حجر الزاوية لأي ازدهار اقتصادي. فالحدود العراقية السورية لطالما شكّلت بؤرةً للتهديدات الأمنية، من تهريب وسلاح وجماعات متطرفة. كما لا تزال مخيمات مثل "الهول" تضمّ آلاف العائلات المرتبطة بداعش، بمن فيهم آلاف الإيزيديات المفقودات.
وحذّرت سيربست من التهديدات الإسرائيلية الأخيرة، لاسيما مخطط نتنياهو لتقسيم سوريا إلى أربع إدارات وإنشاء "ممر داوود"، معتبرة أن هذا المشروع يُنذر بتفكيك الإقليم وتهديد وحدة الحدود العراقية، ما يستدعي موقفاً عراقياً حازماً بالتنسيق مع دول الجوار.
بغداد "تُهدي" سوريا 220 ألف طن من القمح - موقع 24نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) اليوم الجمعة عن المدير العام للمؤسسة العامة للحبوب قوله إن العراق سينقل 220 ألف طن من القمح إلى الشعب السوري "كهدية"، مما يعكس عمق العلاقات بين البلدين.
توصيات سياسية للحكومة العراقية
وقدمت الباحثة مجموعة توصيات عملية لصنّاع القرار في بغداد، منها: فرض الرقابة على الجماعات المسلحة ومحاسبتها إذا ما ناقضت السياسة الرسمية للدولة أو أضعفت حضورها الإقليمي، وتأسيس قنوات تواصل دائمة مع الحكومة السورية الجديدة، تشمل المستويات الرسمية والمدنية والدينية والقبلية.
ودعت الكاتبة إلى توقيع اتفاقيات اقتصادية واضحة وتفعيل مشاريع استثمارية تواكب الزخم الإقليمي لإعادة الإعمار، وتقنين أوضاع العمال السوريين في العراق وتسهيل اندماجهم في القطاع الخاص لتلبية حاجة السوق المحلي، وتقليل تسرب العملة الصعبة، وتعزيز التعاون الأمني في المناطق الحدودية، وتطوير البنية التحتية لضمان السيطرة الحكومية على هذه المناطق.
وخلصت سيربست إلى أنّ العراق أمامه فرصة تاريخية لتجاوز الإرث المثقل من تدخلاته السابقة في سوريا، والمساهمة في رسم مستقبل مستقر يقوم على التعاون لا التبعية. وفي لحظة إقليمية دقيقة كهذه، يمكن لبغداد أن تتحول من متلقٍّ للأزمات إلى فاعلٍ في صناعة الحلول.