في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، تزداد الحاجة إلى التمسك بجذورنا القيمية الأصيلة التي تشكلت عبر قرون، وصاغت ملامح الشخصية الإماراتية، ورسّخت حضورها الحضاري. ويأتي السنع في قلب هذا التكوين، بوصفه منظومة متكاملة من القيم والعادات والتقاليد النبيلة، التي تمثل الامتداد الطبيعي للموروث الأخلاقي العربي والإسلامي، وتعبّر عن أصالة الهوية، ونقاء السلوك، وعمق الانتماء للمجتمع والوطن.
السنع في جوهره ليس قواعد سلوكية موروثة فحسب، بل هو نظام متكامل من التهذيب، يشمل الكلمة والموقف، والهيئة والتصرف، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمروءة والاحترام والتقدير. إنه مرآة تعكس وعي الإنسان الإماراتي بذاته وبمن حوله، وهوية تتشكل من خلالها العلاقات الأسرية والاجتماعية والمهنية، بطريقة تضمن الانسجام، وتحفظ الكرامة، وتغرس القيم السامية في النفوس.
لقد أدركت الإمارات، في سياق مشروعها التنموي والنهضوي، أن الحفاظ على التماسك المجتمعي لا يتحقق عبر التشريعات وحدها، بل لا بد من استدعاء القيم الراسخة وتفعيلها في الفضاء العام، بما يعزز السلوك المدني، ويجعل من الأخلاق سلوكاً يومياً لا مجاملة عابرة. وهذا ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال استقبال اللجنة المكلفة بإعداد منهج التربية الأخلاقية سنة 2016، والتي كان لي الشرف بعضويتها، بقوله: "إن دولة الإمارات العربية المتحدة تعتز بهويتها وأصالتها العريقة المستمدة من تعاليم ديننا الحنيف والموروث الثقافي لآبائنا وعادات وتقاليد أجدادنا بما تجسده من قيم إنسانية وأخلاقية نبيلة وسلوكيات حضارية رفيعة".
وكانت وزارة الثقافة قد أطلقت عام 2010 مبادرة "السنع الإماراتي" ضمن استراتيجية الوزارة الهادفة إلى ترسيخ القيم المجتمعية والفضائل الأخلاقية، فيما أطلقت وزارة التربية والتعليم برنامج "السنع الإماراتي" في المدارس الحكومية والخاصة، بهدف ترسيخ القيم الأخلاقية والمجتمعية في نفوس الطلبة، وتعزيز الهوية الوطنية من خلال تعليمهم مبادئ السنع وعاداته الأصيلة.
إن "عام المجتمع" فرصة حقيقية لإعادة تسليط الضوء على السنع كركيزة في بناء النسيج الاجتماعي، واستعادة دوره في مواجهة تحديات العصر، التي غالباً ما تحمل معها أنماطاً استهلاكية وسلوكيات طارئة لا تنسجم مع روح المكان ولا مع ثوابت الهوية. فحين نعلّم أبناءنا السنع، فإننا لا نعلّمهم الكلمات المنمقة أو الحركات الشكلية، بل نغرس فيهم احترام الكبير، وتقدير الجار، وإكرام الضيف، والعطف على الصغير، والنزاهة في التعامل، والصدق في الكلمة، وكلها سلوكيات إنسانية نبيلة تُسهم في بناء مجتمع متراحم ومتماسك.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل العمق الأخلاقي الذي يميز الشخصية الإماراتية، والذي اختزله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، خلال حفل جائزة أبوظبي سنة 2016 بقوله: " الذين عاشوا ورأوا أبونا الشيخ زايد في الخمسين سنة التي مرت يقولون.. قدوتنا الشيخ زايد.. لهذا السبب ظهرت جملة في بلادنا الكل يذكرها... نحن أولاد الشيخ زايد.. لكن هذه الكلمة أرجو أن تقال في المكان الصح والزمان الصح وللعمل الصح".. فهذا المفهوم وفق رؤية سموه يتجاوز النسب أو الانتماء الجغرافي، ليصبح تعبيراً عن منظومة أخلاقية متكاملة تعكس جوهر القيم الإماراتية في التعامل والتواضع والبذل والاحترام. "وأبناء زايد" هم الذين يمثلون الإمارات في الداخل والخارج، لا بأسمائهم فقط، بل بأخلاقهم وسلوكهم وقيمهم التي تعكس تربية الوطن، فالمواطن الذي يتحلى بالسنع هو سفير دائم لبلده، يعبّر بأدبه وتعامله عن هوية وطنه، ويعكس صورة حضارية عن شعب يؤمن بالتسامح والاحترام والإنسانية.
وتتجلى أهمية السنع في أنه ليس خطاباً نخبوياً أو حكراً على فئة اجتماعية معينة، بل هو ثقافة جامعة تنمو في البيئة الشعبية كما في المجالس الرسمية، وتُمارَس بين الأفراد كما تُعلَّم في المؤسسات. ولهذا، فإن تقديمه للأجيال يجب أن يكون بجرعات متكاملة ومتدرجة، تبدأ من البيت عبر القدوة والملاحظة، وتُعزّز في المدرسة من خلال الأنشطة والمناهج، وتترسخ في الحي من خلال التفاعل المجتمعي، وتستمر في مكان العمل بوصفها جزءاً من ثقافة المؤسسة.
والسنع لا يتعارض مع الحداثة، بل يضبط إيقاعها، ويمنحها بعداً إنسانياً وأخلاقياً، يمنع انزلاقها نحو التفكك أو الغربة عن الذات. إنه القاعدة التي نستند إليها ونحن نخوض تجارب التكنولوجيا والابتكار والتنوع، لنقول إننا نواكب العصر لا على حساب القيم، بل من خلال ترسيخها.
وفي هذا العام، عام المجتمع، نحن مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة روح السنع، ليس عبر الشعارات، بل من خلال تكريسه في الممارسة اليومية. علينا أن نعيد له حضوره في خطابنا التربوي والإعلامي والثقافي، وأن نبتكر آليات لتعليم الجيل الجديد السنع بأساليب معاصرة تتناسب مع واقعهم الرقمي، دون أن تُفرغه من معانيه الأصيلة.
السنع ليس ماضياً يُستدعى للزينة، بل هو مستقبل نريده مشبعاً بالقيم، وهو خيط ذهب يمتد من مجلس الجد إلى طاولة الحوار في المدارس والجامعات، ومن المجالس الشعبية إلى مكاتب العمل الرسمية، ليظل حاضراً في السلوك قبل القول، وفي الجوهر قبل المظهر.