بعد سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس (آذار) الماضي، كثّفت الحكومة التركية الاعتقالات والتحقيقات ضدّ حزب الشعب الجمهوري، القوة العلمانية الكبيرة التي تُمثّل المُعارضة الرئيسية، على أمل تحويله إلى كيان هش لا يقوى على عرقلة مساعي تغيير الدستور التركي.

اتهامات خطيرة

وفي حملته المُتصاعدة ضدّ المُعارضة العلمانية، ذهب الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى حدّ وصف حزب الشعب الجمهوري بأنّه "منظمة إجرامية"، تُشير مزاعم إلى أنّ "مخالبها" تتصل بقوة مع "أجهزة استخبارات أجنبية".

ويرى المحلل السياسي كيليان كوغان، مراسل صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية في إسطنبول، أنّ الرئيس أردوغان، وبعد إقصاء مُنافسه الرئيسي، أكرم إمام أوغلو، يسعى الآن إلى تحييد كامل وشامل لحزب الشعب الجمهوري، الحزب العلماني العريق الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، وهو أكبر أحزاب المُعارضة التركية، والذي ينتمي إليه رئيس بلدية إسطنبول المسجون.

وفي هذا الصدد، نفّذت السلطات التركية قبل أيّام حملة اعتقالات جماعية داخل الحزب المُعارض، واحتجزت العشرات من أعضائه، جميعهم مُتّهمون بـِ "الفساد ". ويُركّز تحقيق النيابة العامة في إسطنبول على مناقصات يُزعم أن البلدية التي يقودها حزب المعارضة "زوّرتها".

ومن بين المُعتقلين الجدد نحو 20 موظفاً في بلدية إسطنبول، بمن فيهم رئيس المكتب الإعلامي، و3 رؤساء بلديات في المُدن الكبرى، ورئيسا بلديتين في ولاية أضنة الجنوبية، وبرلماني سابق عن حزب الشعب الجمهوري.

كما تمّ في أوائل مايو (أيار) الماضي، تقييد الوصول إلى حساب أكرم إمام أوغلو على منصّة "إكس"، والذي كان يُتابعه قرابة 10 ملايين شخص، في تركيا. وأزيلت تدريجياً ملصقات رئيس البلدية السابق التي كانت تظهر هنا وهناك في مدينة إسطنبول، واستُبدلت بأخرى مُؤيّدة لأردوغان.

التنافس مع الدُّمى

وبلغت حملة القمع الجديدة ذروتها يوم الخميس 5 يونيو (حزيران) الجاري، حيث فتحت نيابة إسطنبول تحقيقاً مع زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل. والذي يُتّهم بـِ "إهانة" المُدّعي العام في إسطنبول و"تهديده"، بعد أن انتقده بشأن الإجراءات الجنائية الجارية ضدّ أكرم إمام أوغلو، خلال تجمّع حاشد في إسطنبول في اليوم السابق.

ومن المقرر أيضاً عقد محاكمة في 30 يونيو (حزيران) الجاري، بشأن مؤتمر حزب الشعب الجمهوري الذي عُقد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والذي انتُخب فيه أوزغور أوزيل زعيماً للحزب، حيث يُحقق الادعاء العام في أنقرة مُجدداً في "فساد" المؤتمر. ويُتّهم أعضاء ومندوبين من حزب الشعب الجمهوري بتلقّي رشاوي مقابل دعمهم لأوزيل، ويُطالب الادّعاء بسجن12 شخصاً، من بينهم أكرم إمام أوغلو وجميل توغاي، رئيس بلدية إزمير، ثالث أكبر مدينة في تركيا.

وقد تبدو هذه المحاكمة مُبالغاً فيها، إلا أنها قد تُزيل أوزغور أوزيل من زعامة حزب الشعب الجمهوري، وتستبدله بكمال كيليجدار أوغلو، سلفه والمرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية لعام 2023. لذا، سيبدو كيليجدار أوغلو، الذي لا يحظى بشعبية تُذكر، لا سيّما بعد هزيمته الانتخابية أمام أردوغان، مُجرّد مُنافسٍ مُستهتر إذا ما أُعيد تعيينه زعيماً لحزب الشعب الجمهوري.

تحويل المُعارضة إلى واجهة شكلية

ويُنظر إلى هذه التحقيقات القضائية على نطاق واسع على أنها حيلة من "الريّس"، كما يُطلق عليه أنصار الرئيس أردوغان، لتفكيك حزب الشعب الجمهوري وتحويله إلى واجهة للمُعارضة. كما يُمكنه تفتيت المعارضة بدفع أوزغور أوزيل ومعسكره إلى تأسيس حزب جديد، في حال إبعاده من الحزب.

ويُشير كارابكير أكويونلو، الباحث المشارك في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن والمتخصص في السياسة التركية، إلى أنّ "استمرار أردوغان في هذه الاستراتيجية يعود إلى وجود مجموعة صغيرة داخل حزب الشعب الجمهوري حول كمال كليجدار أوغلو، تبدو عازمة على استعادة السيطرة على الحزب، حتى لو أدّى ذلك إلى نسف زخمه".

ومع ذلك، يرى بيرك إيسن، الخبير السياسي وعضو جامعة سابانجي في إسطنبول، أنّ احتمال إقالة أوزغور أوزيل من قيادة الحزب أمر مُستبعد. ويُجادل قائلاً: "يسعى أردوغان إلى تعديل الدستور التركي لإلغاء الحدّ الأقصى لولايتين رئاسيتين ليتمكّن من الترشّح مُجدّداً في الانتخابات القادمة عام 2028".

ويُضيف: "لكن لتحقيق ذلك، فهو يحتاج إلى دعم نواب المُعارضة. وبينما لا شك أنّه يعتمد الآن على دعم النواب المؤيدين للأكراد منذ بدء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، سيستغل أردوغان المُحاكمة التي ستجري نهاية الشهر الجاري للضغط على أوزيل وإجباره على التفاوض بشأن هذا الإصلاح الدستوري".

ويهدف أردوغان، من خلال الشدّة والترغيب، إلى تقويض قوة المُعارضة، والأهم من ذلك، الحفاظ على منصبه في السلطة، حسبما ترى يومية "ليبراسيون" الفرنسية.