أثبتت المحن والأزمات السابقة التي شهدتها المنطقة أنَّ التعاون الخايجي ما يزال صمام أمان للأمتين العربيَّة والإسلاميَّة، وتمثِّل نموذجاً استثنائيّاً للعلاقات المثاليَّة المأمولة بين الأشقاء، ونابع من تقدير واحترام ضاربة جذورهما عمق التاريخ، فالأفراح والأتراح تُظهر أصالة العلاقات وعمقها لتكون أكثر وضوحاً، كما أصبحت هذه الشراكة الإستراتجيَّة سهاماً قويَّة للمغرضين، والردّ على كلِّ فاسد يريد أن يتلاعب بتأويل الشائعات ويتعسَّف في دلالاتها لصالح مطامعه، لكن صوت الحق والعدل والحريَّة من جانب حكماء الخليج  سيقف لهم بالمرصاد.

وإن هذا التحالف الخليجي يجدد عهده في التمسُّك برؤية وقدرة استثنائيَّة على المضي على خطى الآباء المؤسسين في مسيرته عبر التنسيق الفعال، وتكامل التخطيط والتنفيذ العالي، على كل المستوىات الوطنيَّة في المجالات كافة.

فكانت الشراكة التاريخيَّة بين الخليج التي تم تأصيلها بروابط الدَّمِ والإرث والمصير المشترك قبل أن تتوحد المواقف والشراكة بين بلداننا، وزادته وهجاً المواقف النبيلة للقادة، إصرارهما على التشبت بقيمهم الأصيلة، والتصدي للاعداء، فالمواقف الثابتة تجاه الأحداث ضبطت من موازيين الخلل في جملة من القضايا الداخليَّة، والأحداث الأخيرة أضافت بُعداً جديداً للمشروع الخليجي المشترك، من خلال التصميم على تبني الحلول السياسيَّة بالحكمة والموعظة الحسنة لتلافي التصادمات السياسيَّة في المنطقة.

 إن دور التحالف الخليجي أو دول مجلس التعاون سيظل قراراً صائباً في الذاكرة الجمعيَّة للعروبة قاطبة، بل سيقودها إلى المستقبل بآفاقه الرحبة، ليس لكونه انتصاراً يقوض الأطماع الخارجيَّة التي نالت من أمن واستقرار شعوب المنطقة، وإبطال كلِّ الأجندات المشبوهة والمحرضة، بل وتفويت الفرص على المتربصين للنيل من الأمن الخليجي.

وسيثبت التاريخ الناصع أصالة مواقف هذا التحالف حينما قدّم الدماء الزكيَّة من أبنائها الشهداء الأبرار إلى ساحات الحرب لحفظ السلام والاستقرار، وكل هذا من أجل قطع الطريق على المخططات والأطماع المحدقة بالمنطقة ككل، فهناك الكثير من المبادرات وحزمة من التحرُّكات الحازمة تتصدى بقوة لكل التهديدات، وتنفيذ عددٍ من المبادرات الإنسانيَّة والبرامج الإنمائيَّة، والتعاون مع مجموعة من اللجان الخيريَّة التي تمدُّ يد العون للأشقاء، وتوجيه أوجه الدعم الكامل للإخوة العرب، وتحقيق طموح الشعوب العربيَّة نحو الازدهار والتقدم التنموي، ما ترجم حالـة الأمن والطمـأنينـة التي يسـتشعـرونها الأخوة في العروبة عـلى حياتهم؛ لأننا أمام تحالف خليجي استطاع بمهارة أن يصبح واحداً من صنّاع الحياة ؟! 

وصلت مراحل التضامن الخليجي إلى مراحل غير مسبوقة من التنسيق والنضج السياسي والحكمة في التعاطي مع الأحداث الجسام، فالفوضى معدية تنتقل عندما تتواءم الظروف المناسبة لها، فمناخنا العربي تحيطه القلاقل وتتناوبه رياح التغيير، وكان لا بدَّ من أيقونة تقدم أنموذجاً يحمل الأمل لشعوب المنطقة، ليجعل من الإرادة الشعبيَّة أكثر تماسكاً وداعم للقرارات الرشيدة، ما انعكس بشكل إيجابي على الإنسان في ظل طفرة المتغيرات العالميَّة.

هناك إيمان شعبي عارم لشعوبنا في الخليج بالقدرات التي تمتلكها القيادات الوطنية بما لديهما من استشراف للمستقبل والتجديد وخلق التحديات والفرص للشباب ليشكلا أيقونة من النجاح والانتصار للقيم العليا التي يؤمن بها الشعوب، التي بها لابغيرها صنعت نسخة قياديَّة متماسكة قلَّما يوجد لها نظير.

هناك توجُّهات إعلاميَّة تحاول الطعن والمساس بحجم العلاقة بين دولنا، ومثل هذه الدعايات المغرضة لها مآرب أخرى، ولم تأتِ من فراغ، كما إنها ليست جديدة، فالعلاقات الخليجية مصدر إزعاج وتوتُّر لكثيرين من الأطراف الإقليميَّة المعادية للشراكة القائمة، من باب النكاية والتشكيك بالعلاقات التي منحت حراكاً لكثير من للمشروعات التنمويَّة والأمنية، من أجل تحقيق المعادلة الصعبة في المسارات السياسيَّة والاقتصاديَّة، والثقافيَّة والاجتماعيَّة، وفتح صفحات مضيئة من التنمية والازدهار، بما تجعلهما في مقدمة دول العالم.

وسيبقى التحالف وفيًّا لأهدافه في الحفاظ على تماسك أعضائه وتضامنهم، مخلداً بذلك الجهود والتضحيات التي بُذلت في سنواته الأولى، إبان الأزمات السياسية والأمنية، فلولا نفاذ البصيرة مصحوباً برؤية مستقبليَّة ترفدها إرادة قويَّة نحو تحقيق مستقبل أفضل للأوطان العربيَّة لكان هناك ما هو أسوأ بكثير ينتظرنا.

 وإنَّ قيم العدل والمساواة وروح التضامن في موروثنا وتراثنا تدعم جهود البلدين، التي تأخذ كل يوم أبعاداً غير مسبوقة، ويواصل التحالف الخليجي نموّه في ضميرنا الوطني الخليجي باعتباره قيمة عليا تتحكَّم في سلوك الإنسان الخليجي، فالإحساس بوحدة المصير والانتماء إلى الخليج يربط جميع المواطنين وهم يبنون مستقبلهم المشترك.