لا تنظر القيادة الرشيدة لدولة الإمارات إلى الشباب بوصفهم مجرّد فئة عمرية، بل بوصفهم القلب النابض للمجتمع، ومحور الارتكاز في معادلات التنمية والنهضة والاستدامة. لهذا، لم يكن مستغرباً أن يخصّهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، بتغريدة في اليوم العالمي لمهارات الشباب أكّد فيها أنّ «الإمارات تضع الشباب في قلب استراتيجيتها التنموية، وتعتبر تمكينهم وتأهيلهم بمهارات المستقبل أولوية رئيسية».
وقد اتّسعت مظلة هذا التمكين لتشمل كل ما من شأنه صناعة جيل واثق، مسلّح بالمعرفة، متجذر في القيم، منفتح على العالم، وقادر على مواجهة التحولات المعقّدة في عالم اليوم؛ من الرقمنة والذكاء الاصطناعي إلى تحديات التغير المناخي وسرعة التغيّر المجتمعي. وهذا ما يفسّر حجم المبادرات والبرامج والمؤسسات التي أُطلقت لأجلهم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مجالس الشباب الاتحادية والمحلية، ومنصات المشاركة، ومجالس تطوير السياسات، إلى جانب الفرص التعليمية والبحثية والمنح الدولية التي تُفتح أمامهم في أرقى المحافل.
ويتجلى الاهتمام بالشباب، كذلك، في صورة صياغة رؤى مكتملة وواضحة الأهداف والخطوات والمخرجات من أجل صناعة المستقبل الأفضل لهم، من بينها «الأجندة الوطنية للشباب 2031» التي أطلقت في مطلع يوليو من العام الماضي، وهي تسعى إلى أن يكون الشاب الإماراتي محركاً وداعماً رئيسياً في التنمية الاقتصادية الوطنية، ومساهماً بفعالية في المجتمع، ومتمسكاً بالقيم والمبادئ الإماراتية، ومؤثراً بإيجابية على الصعيد العالمي وقدوة عالمية، ومواكباً للتطورات التكنولوجية ومتمكناً من مهارات المستقبل، ومتمتعاً بأعلى مستويات الصحة وجودة الحياة.
ويمثّل عام المجتمع 2025 فرصة جديدة لتأكيد هذا التوجّه وتعزيزه. فبناء مجتمع متلاحم لا يتم من خلال التخطيط من فوق فحسب، بل يبدأ من الاستثمار في الإنسان، لا سيما في الفئات الشابة، لأنها الأكثر ديناميكية وقدرة على الابتكار والتفاعل. وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن كل مشروع وطني ناجح، وكل تحوّل تنموي فارق، كان وراءه شبابٌ آمنوا بفكرتهم واحتُضنت طاقاتهم.
وفي هذا السياق، تتكرّس الرؤية الإماراتية في تمكين الشباب وإعطاء القيادات الشابة دوراً فاعلاً في توجيه العمل الوطني، ليس على مستوى المجالس والبرامج فحسب، بل في صلب مواقع اتخاذ القرار. فقد كانت الإمارات سبّاقة حين عيّنت، في عام 2016، وزيرة دولة لشؤون الشباب، هي معالي شما بنت سهيل بن فارس المزروعي، وكانت حينها في الثانية والعشرين من عمرها، لتصبح بذلك أصغر وزيرة في العالم. واستمرت هذه الرؤية في التعمق، وليس من باب المصادفة أن يكون وزير الدولة للشباب هو رائد الفضاء الإماراتي الدكتور سلطان النيادي، فهو شخصية مُلهِمة تُجسّد طموح شباب الإمارات، وتُعبّر عن ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تمثيل وطنهم في أرفع المنصات العالمية.
وكذلك أصدر مجلس الوزراء قراراً، في منتصف عام 2019، ينص على تعيين عضو واحد على الأقل من الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً ضمن مجالس إدارات الجهات والمؤسسات والشركات الحكومية، وأتاحت لشباب الدولة التقدم لشغل هذه الوظائف من خلال تسجيل أسمائهم في منصة إلكترونية تابعة لمجلس الوزراء. وخلال فترة لا تتجاوز سبعة أشهر كان ثلاثة وثلاثون شاباً ممن تقدموا عبر المنصة يشغلون مواقعهم في مجالس إدارة الجهات الاتحادية، ويُثبتون مجدَّداً أن شباب الدولة على قدر المسؤولية، من خلال أدائهم الرفيع وقدرتهم على تنفيذ المهام التي أسندت إليهم بأعلى درجات الكفاءة والاقتدار.
وفي خطوة تجسّد هذا التوجّه وتعززه، وجّه صاحب السمو رئيس الدولة، مؤخراً، بتعيين سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد رئيسةً لمؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، وسمو الشيخ حمدان بن محمد نائباً للرئيس، تأكيداً على أهمية إتاحة المجال للقيادات الشابة المؤهلة للمساهمة في صناعة التأثير الإنساني والاجتماعي محلياً وعالمياً، ضمن إطار مؤسسي يحمل رؤية الإمارات وقيمها الأصيلة.
إننا اليوم أمام مرحلة مفصلية في مسيرة التنمية، تتطلب تمكيناً نوعياً للشباب يُبنى على التدريب، والتفويض، وإعطائهم الفرص الحقيقية للمشاركة في اتخاذ القرار. فالشباب ليسوا «مستقبلاً» فقط، بل هم «حاضر» يجب أن نثق به، ونستمع إليه، وندعمه ليقود.
وحين نؤمن بأن كل شاب في هذا الوطن هو مشروع قائد، أو عالم، أو رائد أعمال، أو مفكر، فإننا لا نزرع الثقة فقط، بل نغرس الأمل، ونرسّخ ثقافة العطاء والانتماء، التي هي جوهر عام المجتمع وهدفه الأسمى.
إن هذا الاستثمار المتواصل في الشباب لا ينفصل عن الرؤية البعيدة التي أرستها مئوية الإمارات 2071، بوصفها خارطة طريق تمتد لخمسة عقود، هدفها أن تكون دولة الإمارات في مصافّ الدول الأكثر تقدّماً وابتكاراً ورفاهية. ومن هنا، فإن كل خطوة تُبذل اليوم في تمكين الشباب، هي في جوهرها استثمار استراتيجي في مستقبل الدولة، وفي بناء جيل قادر على قيادة الخمسين عاماً القادمة بثقة، وكفاءة، وروح وطنية عالية.