في لحظة فارقة من تاريخ العمل الإنساني العربي، أبحرت "سفينة خليفة الإنسانية رقم 8" من موانئ دولة الإمارات متجهة إلى غزة، محمّلة بأكثر من 7,166 ألف طن من المساعدات الغذائية والطبية والمستلزمات الإغاثية العاجلة، لتكون شاهداً جديداً على التزام الإمارات الثابت بدعم الأشقاء في قطاع غزة في أقسى الظروف.

هذه السفينة ليست مجرد شحنة مساعدات، بل رسالة تحمل في طيّاتها قيم الإنسانية والتضامن والمروءة العربية الأصيلة. وقد كنتُ واحداً من الذين تشرفوا بالمشاركة في هذه المهمة، وشهدتُ بنفسي كيف تحوّل العمل الإنساني في الإمارات إلى منظومة احترافية متكاملة، تنطلق من قلب القيادة إلى فرق التنفيذ، مروراً بالكوادر التطوعية، وانتهاءً بمن تصل إليهم المساعدات على الأرض.

منذ اللحظة الأولى للصعود على متن السفينة، كان واضحاً أننا لا نشارك فقط في نقل مواد، بل نحمل أملاً وأماناً وأثراً سيمتد إلى آلاف العائلات في غزة. لم تكن المهمة سهلة، لكن الدافع كان أكبر من ذلك. رأيت بأم عيني كيف يعمل الجميع وكأنهم في سباق مع الزمن، من أجل إيصال هذه الشحنة إلى غزة قبل أن يتفاقم الوضع الإنساني أكثر.

منظومة العمل كانت تُدار بدقة متناهية، بدءاً من عمليات التعبئة والتغليف، مروراً بالتنسيق مع الجهات الدولية لتسهيل مرور السفينة، وصولاً إلى متابعة خط سيرها لحظة بلحظة. هناك إرادة سياسية وإنسانية واضحة بأن تبقى الإمارات دائماً في طليعة الداعمين للأشقاء في فلسطين.

لم تكن هذه الرحلة الأولى، ولن تكون الأخيرة. فمنذ اندلاع العدوان على غزة، لم تتوقف دولة الإمارات عن إرسال المساعدات الجوية والبرية والبحرية. عشرات الطائرات ضمن جسر جوي إماراتي، ومئات الشاحنات عبر المعابر، وفرق طبية وميدانية، ومستشفيات ميدانية متنقلة، وحتى برنامج "جسور الخير" الذي كان عنواناً ملهماً لكل مبادرات الدعم.

الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، تترجم مواقفها التاريخية إلى أفعال ملموسة. لا تكتفي بالبيانات أو الشعارات، بل تذهب إلى الميدان، وتضع يدها على الجرح، وتعمل بصمت وفاعلية.

من داخل سفينة خليفة الإنسانية، لمستُ كيف تتحول السياسة إلى رحمة، وكيف تُبنى الجسور بين القلوب قبل أن تُبنى على الأرض. المتطوعون من مختلف الجنسيات، فريق الهلال الأحمر الإماراتي، الطاقم البحري، الجميع كان يعمل بروح الفريق الواحد، وبلغة واحدة: لغة الإنسانية.

رأيت الشحنة تُحمَّل بعناية، الصناديق التي كُتب عليها "من شعب الإمارات إلى أهلنا في غزة"، ورأيت العيون التي لم تنَم طوال الليل، فقط ليصل الطعام والدواء إلى من هم بأمسّ الحاجة له.

"سفينة خليفة" ليست مجرد باخرة، بل قصة وفاء. وفاء من دولة لم تنسَ واجبها العربي والإسلامي، ولم تقف متفرجة على معاناة الأبرياء. وما هذه السفينة إلا امتداد لتاريخ طويل من العطاء الإماراتي لفلسطين، منذ عهد المؤسس الشيخ زايد، وحتى يومنا هذا.

لقد غادرتُ السفينة، لكنّي عدتُ محمّلاً بمشهد إنساني لا يُنسى، وبقناعة راسخة أن الإمارات حين تصمت… فالإنجازات هي التي تتحدث عنها.