حين نتأمل حاضر الأمم ومستقبلها، ندرك أن الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هي الجذر العميق الذي تُبنى عليه اللبنات الأولى لشخصية الإنسان، وقيمه، ومهاراته، وعلاقته بالعالم. ومن هذا المنطلق، أولت دولة الإمارات العربية المتحدة اهتماماً بالغاً بالطفولة المبكرة، إدراكاً منها بأن الاستثمار في هذه المرحلة الحساسة هو استثمار في المجتمع بأسره، وفي جودة حياته، وتماسكه، واستدامة تقدّمه.

يأتي "عام المجتمع 2025" ليعيد تسليط الضوء على هذه المرحلة الجوهرية، ويضعها في قلب الحديث عن النسيج المجتمعي، ليس بوصفها شأناً تربوياً أو تعليمياً فحسب، بل باعتبارها قضية استراتيجية تمسّ حاضر الدولة ومستقبلها.

لقد شكّلت الطفولة المبكرة إحدى أولويات القيادة الرشيدة، التي وجّهت بتطوير سياسات وطنية شاملة، تكفل للأطفال منذ ولادتهم بيئة آمنة، وصحية، ومحفزة على النمو المتوازن.

وتجلّت هذه الرؤية في تأسيس الهيئات المعنية، وعلى رأسها “المجلس الأعلى للأمومة والطفولة”، و"هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة”، إلى جانب ما تقوم به وزارة التربية والمؤسسات التعليمية في كل إمارة في سبيل تأمين بيئة تعليمية مميزة تُراعي احتياجات الطفل في سنواته التكوينية، وتُعزّز من نموه المعرفي والوجداني والبدني، وتضمن له مسارات تعليمية مرنة وشاملة، تؤهّله ليكون فرداً فاعلاً ومتكيفاً مع متغيرات المستقبل، ضمن منظومة وطنية تُحسن الاستثمار في رأس المال البشري منذ البدايات الأولى.

إن أبرز ما يميّز النهج الإماراتي في هذا المضمار، هو الطابع التكاملي في مقاربة الطفولة، حيث لا تُفصل الجوانب الصحية عن التعليمية، ولا يُغفل البعد الأسري والمجتمعي، بل يجري التعامل مع نمو الطفل بوصفه منظومة متكاملة تشمل التغذية والرعاية الصحية، والتعليم المبكر، والدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين الأسرة بصفتها الحاضنة الأولى للطفولة.

وقد أرست الدولة مجموعة من التشريعات والأنظمة التي تنظّم التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وتلزم المؤسسات العاملة في هذا القطاع بمعايير جودة دقيقة، تراعي الخصائص النمائية للأطفال، وتستند إلى أحدث ما توصلت إليه البحوث في مجالات التربية والتعلّم.

وعلى الصعيد العملي، جرى تطوير مناهج تعليمية قائمة على اللعب والاستكشاف، تتيح للأطفال فرص التعلّم النشط، واكتساب المهارات الاجتماعية واللغوية والوجدانية، في بيئة تربوية تراعي الخصوصية الثقافية، وتحتضن التنوّع. كما أولت الجهات المعنية عناية فائقة بتأهيل الكوادر التربوية، وتوفير فرص التدريب المستمر للمربّين والمعلّمين، إدراكاً بأن جودة التعليم المبكر تبدأ من جودة من يقدّمه.

لكن ما يجعل هذه الجهود ذات أثر بعيد المدى، هو إيمان الدولة بدور المجتمع في تعزيز هذه المنظومة، من خلال إشراك أولياء الأمور، وتمكينهم من فهم احتياجات أبنائهم، وتوفير الأدوات التي تساعدهم على أداء دورهم في التربية والتنشئة. وقد برز ذلك في البرامج التوعوية، والدورات التدريبية، والمنصات الرقمية التي توفر محتوى معرفياً مبسطاً للآباء والأمهات، وتسهم في بناء ثقافة مجتمعية تُدرك أهمية الطفولة المبكرة، وتحتفي بها.

وفي السياق ذاته، حرصت السياسات الوطنية على إرساء مبادئ العدالة في توفير فرص التعليم والرعاية، من خلال دعم الفئات ذات الدخل المحدود، وتوسيع مظلة الحضانات ورياض الأطفال الحكومية، وضمان وصول الخدمات الأساسية لكل طفل على أرض الدولة، بغضّ النظر عن خلفيته أو ظروفه الاجتماعية.

إن الحديث عن الطفولة المبكرة، في عام المجتمع، هو حديث عن الجذور التي نستند إليها لنحمي الثمار. فمجتمع مزدهر لا يمكن أن يتشكّل إلا عبر أطفال أصحاء، آمنين، محاطين بالحب والرعاية، يتعلّمون في بيئات محفّزة، وينشؤون على القيم الإنسانية والوطنية التي تصنع المواطن الصالح.

وإذا كانت المجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية أضعف حلقاتها، فإن رعاية الطفولة المبكرة هي أرقى تعبير عن إنسانية المجتمع وتضامنه، وهي في ذات الوقت ركيزة لبناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز رأس المال البشري، وتحقيق رؤى التنمية المستدامة.

في الإمارات، ليست الطفولة مسؤولية فرد أو جهة، بل هي أمانة وطنية يتقاسمها الجميع، من الأسرة، إلى المدرسة، إلى صانع القرار. وهي مسؤولية تزداد عمقاً في ظل عام المجتمع، الذي يعيد التذكير بأن بناء الوطن يبدأ من بناء الطفل، وبأن الغد يُزرع في سنواته الأولى.