تمر اليوم 5 أغسطس (آب) ذكرى ميلاد الأديب المصري والناقد زكي مبارك، الذي ولد في 1892، في المنوفية بمصر، وعرف بأسلوبه الجريء وإثارته للجدل، ويعد من أهم الأدباء في النصف الأول من القرن العشرين، وقد ترك العديد من المؤلفات التي أثرت الحركة الأدبية محليا وعربيا.

 ينحدر مبارك من أسرة متوسطة الحال، وقد عاش في بيئة ريفية بسيطة، حيث ارتاد في طفولته كتَاب القرية، مثل أقرانه في ذلك الوقت، وحفظ القرآن الكريم في عمر مبكر، مما ساهم في رفع ثروته اللغوية وصقل تجربته الأدبية لاحقا. 

عانى مبارك من الفقر والحرمان، كما فقد والدته وهو في عمر مبكر، ما دفعه إلى التميز والعصامية،  وتحدي الذات، منطلقا برحلة علمية ومعرفية، لم تكن سهلة في ذلك الزمن فقد درس في الأزهر الشريف ونال الشهادة عام 1916 ثم انتقل إلى الجامعة المصرية (جامعة القاهرة)، وحصل منها على شهادة الليسانس، وواصل طموحه في طلب العلم، وتحقيق التميز، فسافر إلى فرنسا حيث نال 3 درجات في شهادة الدكتوراة، من جامعة السوربون، وكان ذلك أمراً نادرًا في تلك الحقبة الزمنية. 

وتناولت رسالته الأولى "النزعة الفردية في الأدب العربي" أما الثانية فكانت عن الشخصية الإسلامية الأدبية، والثالثة عن الحب في الأدب العربي، وقد كان لهذا التفوق العلمي في أرقى جامعات العالم، دورا كبيرا في منح مبارك شهرة ووزنًا أدبيًا في الأوساط الثقافية العربية، وقد تواصلت رحلته في رفد المكتبة العربية بخلاصة فكره وعاطفته وأدبه، فكتب ما يزيد عن 30 كتابًا، تنوّعت بين النقد الأدبي  والفكر الإسلامي  والسيرة الذاتية  والترجمة ثم الرسائل الجامعية، و الأدب العاطفي، والعديد من  المقالات الصحفية، ومن أبرز كتبه "النثر الفني في القرن الرابع الهجري، الشخصية الإسلامية، الأخلاق عند الغزالي، الحديث عن المرأة، الوفاء في الحب، وهي سيرة ذاتية بأسلوب أدبي فريد".

وقد اجتمعت عدة عوامل ساهمت في صقل موهبته، وتطوير ملكة الكتابة الأدبية والنقدية لديه، ولعل أهم تلك العوامل، حفظه المبكر للقرآن الكريم الذي منحه ملكة لغوية وبلاغية عالية، أيضا يئته الريفية البسيطة، التي رسخت فيه حسّ الواقعية والانتماء الشعبي، وكما هو معروف فالانسان ابن بيئته، أيضا كونت الدراسة الأزهرية والجامعية، لدى مبارك خلفية دينية وأدبية عميقة.

ولا شك أن الاحتكاك بالثقافة الغربية في باريس، زوّدته بأدوات نقدية ومنهجية علمية حديثة، كما أن معاركه الأدبية مع طه حسين وأحمد أمين، شحذت أسلوبه ودفعت به نحو التجديد والتمرد، بالإضافة لشغفه بالقراءة والبحث، فقد كان قارئًا نهمًا، واسع الاطلاع، يمزج بين التراث والحداثة.

وقد تأثر العديد من الأجيال الأدبية اللاحقة في كتابات زكي مبارك، الذي  مثّل  نموذجًا للمثقف المستقل، الذي لم ينتمي لتيار سياسي أو مدرسة فكرية محددة، لكنه شجّع دوماً على حرية الفكر والتعبير، وهو ما ألهم الكثير من الكتّاب والمفكرين العرب لاحقًا.

وقد كان له أسلوب صريح، يميل  إلى السخرية، مما جعل كتاباته مقروءة وجذابة، وكثيرا ما دعا إلى تجديد الخطاب الديني، والعودة إلى جوهر الإسلام بعيدا عن الجمود، ما جعله رائدًا مبكرًا في هذا الاتجاه، وقد اعتبره النقّاد والأدباء مثالًا للجرأة الأدبية، والانفتاح الثقافي.

 ومن يطلع على إرث زكي مبارك الفكري والأدبي، يدرك تماما أنه أمام شخصية استثنائية في الأدب العربي، جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الفصاحة العربية والمنهجية الغربية، ما خلد اسمه  في ذاكرة الثقافة العربية، صوتاً حرّ متمرّد، سعى للحق والجمال بطريقته الخاصة.