إن العلاقة الوثيقة بين الثقافة والمجتمع أمر لا يمكن الجدال فيه، فلا وجود للثقافة من الأصل دون وجود مجتمعات تتبنّاها، ولا وجود لمجتمعات دون ثقافة تنظّمها، وهذه من بدهيات الحياة.
وقد اتفق كثير من علماء علم الاجتماع على أن دراسة الثقافة بشكل عامٍّ من منظور علم الاجتماع، فيما أطلق عليه علم الاجتماع الثقافي قد جاء متأخراً عن نشأة علم الاجتماع وانطلاق مساراته المتعددة وميادينه الأخرى المتنوعة، فقد اقترن ظهوره بتسعينيات القرن التاسع عشر بعد موجة التحولات الثقافية التي شهدها العالم.
وإن فضل إنشاء علم الاجتماع الثقافي ينسب إلى العالم ألفريد فيبر وهو عالم اقتصاد، وتربوي، واجتماعي، وأستاذ جامعي، من ألمانيا، ولد في إرفورت، وقد كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، كما كان عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، تُوفِّي في هايدلبرغ، عن عمر يناهز تسعين عاماً، وإنه في سعيه إلى ضبط هذا المصطلح- علم الاجتماع الثقافي- حاول التمييز بين الثقافة والحضارة، بعد أن رأى أن المصطلحين مترادفان لدى الكثير من العلماء والمنظرين في هذا المجال.
وما يزال علم الاجتماع وعلاقته بالمفاهيم الثقافية محطَّ اهتمام النقَّاد والقرَّاء على حدٍّ سواء، لما لهذين المجالين العلميين من ارتباط دائم وعلاقات متشابكة على مستوى التنظير والتطبيق، فتأثير المجتمع في الثقافة وتأثير الثقافة في المجتمع هو تأثير تبادلي يحدث دائماً من دون انفكاك؛ لذا فقد بات من الضروري أن يوجَّه الاهتمام إلى العمليات الثقافية بوصفها العنصر الأولي لأي تفسير اجتماعي.
ويهتم علم اجتماع الثقافة- وعلم الاجتماع الثقافي المتصل به- بالتحليل المنهجي للثقافة، والذي يُفهم عادةً على أنه مجموعة الرموز الرمزية المستخدمة من قبل أحد أفراد مجتمع ما، كما أن المواطنة الثقافية تعني انخراط كل طوائف المحتمع في الثقافة العامة التي تحكمه.
وقد تم تطوير علم الاجتماع الثقافي؛ وشهد ذلك الكثير من المراحل على يد كثير من علماء مجالي الثقافة وعلم الاجتماع وغيرهم من ذوي التخصصات الأخرى ذات الصلة، الأمر الذي يعني أنهم أعطوا وزناً كبيراً لمجالات الحياة الاجتماعية وجوانبها، ويأتي الاهتمام بقيمة علم الاجتماع الثقافي من تفسيره للكثير من القضايا، كما أن الاعتقاد بأهمية علم الاجتماع يكمن في إدراك أن الثقافة لا يمكن أن تغفل الجوانب الأخرى من التفسير الاجتماعي، أو أن يتم تفسيرها في ضوء عوامل من قبيل الاقتصاد والأيديولوجيا على سبيل المثال.
سنجد اختلافاً واضحاً بين (الدراسة السوسيولوجية العامة للثقافة) وبين ما نطلق عليه (علم الاجتماع الثقافي)، فالأول يمكن اتخاذه للإشارة إلى الاستخدام الفعلي واسع النطاق للمناهج والمفاهيم الاجتماعية في دراسة الظاهرة الثقافية، بينما يُشير الثاني إلى الاعتقاد في أن المداخل الاجتماعية تتطلب إجراءً إصلاحياً مفاهيميّاً ومنهجيّاً ليصيح الأمر أكثر تنظيماً لتفسير الطريقة التي يعمل بها المجتمع، أو ما يُطلق عليه الثقافة المجتمعية، وهي بحسب تعريف علماء الاجتماع تعني جوانب الحياة الإنسانية جميعها، من تراث حضاري، ومنتج مادي وغير مادي، ومن فنون وأفكار وقيم وعادات وتقاليد تحكم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات.
ولا يخفى على أحد أنَّ للثقافة أهمية بالغة في حياة الأمم والشعوب، كما أن لها دوراً كبيراً في تحقيق التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي المحافظة على الأمن الاجتماعي، ووحدة الأمة، إلى جانب أهميتها في المحافظة على الهويّة الوطنية، كما أن الثقافة هي التي تُعزِّز الدافعية لدى أبناء المجتمع للتقدُّم والتطوير والإبداع والبناء.
وإن الثقافة تستطيع أن تحافظ على ترابط كافة المجتمعات التي تسعى لتكوين الحضارة، ويكون ذلك بالحفاظ على الثقافة مع المحافظة على ثبات الفكر الإنساني المعزِّز لمكانة أي مجتمع، بل إن الثقافة تحافظ على الفكر الإنساني، وتسهم في تطويره ونموه باستمرار، كذلك تشمل الثقافة في مفهومها العام كلَّ نواحي الحياة الإنسانية، وتستطيع الثقافة أن تؤثر في أي جانب بطريقة أو بأخرى، أي أن المكتسبات الثقافية للإنسانية كلها، هي مكتسبات تراكمية، تؤدي إلى تغير وعي الجماعة البشرية كلها في بعض الأمور، حسب مجريات التاريخ.
وتعتبر الثقافة المجتمعية أحد أبرز الثقافات التي تظهر جليًّا في مواقف وظروف معينة، وتختلف من بيئة إلى أخرى، ونعتمد عليها في المعايير السلوكية والقيمية، وبيئة الشعوب المجتمعية؛ لأنها تعبر عن تاريخ المجتمعات وتطورها، وتعكس النشاطات الإنسانية الموجودة فيها.
كما أن الثقافة تعكس مدى وعي المكون المجتمعي، فكلما ارتفع سقف المعرفة والعلم في شتى مجالات الحياة، ارتفع تبعاً لذلك معدل الوعي الثقافي لديه، وأضحى عاملاً بنّاءً في المجتمع.
وإن الثقافة المجتمعية، بحسب تعريف علماء الاجتماع، تعني جوانب الحياة الإنسانية جميعها، وتظلُّ الأسئلة مطروحة حول المظاهر الثقافية الاجتماعية، وحق المواطنة الثقافية.
يبقى أن نؤكد أن الثقافة هي الوسيلة الأكثر تأثيراً وفاعليّه في زيادة وعي أبناء المجتمع، وتوسيع آفاق معرفتهم وإدراكهم، وتشكيل ضميرهم ووجدانهم، وهي جميعها عناصر تحصّن المجتمع من أي اختراقات، كما يتمثَّل دور الثقافة في التنمية الاجتماعية في العمل على نشر القيم الاجتماعية الإيجابية مثل التعاون والتسامح والإيثار والالتزام.
(يتبع)