أعلن مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة، عن تنظيمه دورة عام 2025 من "كونغرس العربية والصناعات الإبداعية" من 14 إلى 15 سبتمبر (أيلول) 2025، تحت شعار "إعادة تخيّل الإبداع العربي: الابتكار في السرد وتعزيز تفاعل الجمهور"، في هوية مستقلة متجددة، كعادة هذا الملتقى الإبداعي الهام الذي يحمل بصمة أبوظبي وريادتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، والنشر الرقمي، وكتابة السيناريو، وإنتاج الكتب الصوتية، وصناعة الألعاب، وتصميم نماذج الأعمال المبتكرة والمستدامة في العصر الرقمي.

وما استوقفني في هذا الموضوع، وبما يتعلق بهذا المؤتمر الثقافي المتخصص الرائد، والذي تشرفتُ مراراً في حضوره والمشاركة في جلساته، تلك الجرأة التاريخية التي تُحسبُ لمنظّميه، في إحالة المفردة إلى أبعاد عالمية مشتركة جامعة، تتجسّد في مفردة "كونغرس" وإحالتها إلى استخدام عربي متفرّد بديلاً عن المؤتمر أو الملتقى بمعناه التخصصي والأكاديمي، لتحيلنا إلى اجتماع رسمي لممثلين من دول ومنظمات ومجموعات مختلفة، حتى يصبح لقاءً عازماً كهيئة تشريعية عليا في مساحة عولمة أو فلنقل "أنسنة" أي إشراك الإنسانية جمعاء في معركة وجود اللغة العربية، وإرادة الارتقاء بمكانتها وتعزيز انتشارها عالمياً لا بين الناطقين بها فحسب، بل لدى غير الناطقين بها أيضاً.

فهذه المفردة "كونغرس" تعود إلى الأصل اللاتيني "congressus"، بمعنى اللقاء أو الاجتماع، فهي اسم مشتق من فعل congredī، وتعني "المشي معاً" أو "الالتقاء"، حيث إنّ أقدم تعريف للكلمة في قاموس أكسفورد هو "اجتماع الأشخاص" (صاغه عام 1528). ثم وُسِّع نطاقه ليشمل التلاقي الاجتماعي عام 1628.

وهذه المفردة، أي "الكونغرس" بناءً على ما سبق، تأتي في هذا السياق، ترجمةً لرؤية القيادة الرشيدة في الإمارات، وكأن بها صدى يتردد لرؤية وحرص الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ومقولة سموّه بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد: "أوصيكم بالاعتزاز بالهوية الوطنية واللغة العربية"، تأكيداً على مبادئ التلاحم الوطني في العام الحالي الذي أعلنته الإمارات عاماً للمجتمع، حيث يصبح "الكونغرس" منصةً تفاعلية لتلاقح أفكار ممثلين ومختصين وأصحاب رؤى عربٍ وعالميين، ومكاناً للقرار الجماعي والالتزام المجتمعي بمكانة اللغة العربية وأهمية الدور المحوري الذي تلعبه الصناعات الإبداعية في اقتصاد المعرفة وخطة مئوية الإمارات 2071.

أما عن الدخيل من المفردات على العربية فهي شائعة وكثيرة، ولا يمكن أن يكون القرآن إلا عربيّاً مبيناً، كما لا يمكن لتراثنا الثقافي وموروثنا الشعبي إلا أن يكون أصلاً أصيلاً، وإن تضمّن كلمات أعجمية كثيرة من فارسية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، وحبشية، وغيرها من أمثال الكلمات أباريق، إبراهيم، استبرق، إنجيل، توراة، زنجبيل، سجيل، طاغوت، عدن، فرعون، فردوس، ماعون، مشكاة، وإننا نجد في الشعر القديم والقرآن الكريم كما في اللغة العربية المعاصرة، العديد من المفردات مثال "الدمقس" في وصف امرئ القيس لحم مطيّته: "فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَا وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ"، وهو الحرير الأبيض، والاستبرق الكلمة الفارسية الأصل التي تعني الثياب المنسوجة بخيوط الذهب، والسندس التي تعني الثياب الرقيقة، والطور الكلمة السريانية التي تعني الجبل، والصراط الكلمة الرومية التي تعني الطريق، بل وأشهرها الأريكة الكلمة اليونانية التي تعني الوسادة أو الفراش الوثير، والأستاذ ذات الأصل الفارسي أي المعلم أو المؤدب، أو الاستمارة الكلمة الفارسية التي تعني نموذجا للتعبئة، وغيرها الكثير من الدخيل الأعجمي.