منذ أن أعلن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إيمانه بالدور المحوري للمرأة في نهضة الوطن، بوصفها "نصف المجتمع الذي لا يستطيع النهوض بدونه"، أصبحت المرأة الإماراتية في قلب المشروع الوطني، شريكة في صناعة الحاضر وصياغة المستقبل. واليوم، ونحن نحتفي بيوم المرأة الإماراتية الذي يصادف الثامن والعشرين من أغسطس كل عام، نستحضر هذه الرؤية الحكيمة التي وجدت في المرأة قوة معرفية وإنسانية قادرة على رفد المجتمع بكل مقومات الريادة. وليس من باب المصادفة أن يتقاطع هذا الاحتفاء مع «عام المجتمع 2025»، حيث تشكل المرأة ركناً أساسياً في معادلة التلاحم والتكامل التي يقوم عليها المجتمع الإماراتي.

لقد كانت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، «أم الإمارات»، أيقونة هذه المسيرة وملهمتها، فمنذ اللحظة الأولى أدركت أن تمكين المرأة لا يعني عزلها عن جذورها أو فصلها عن هويتها، بل يعني تهيئة الظروف أمامها لتكون مواطنة فاعلة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فأطلقت من خلال ترؤسها الاتحاد النسائي العام، والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، مبادرات رائدة وضعت الإمارات في مقدمة الدول الداعمة للمرأة على مستوى العالم. واليوم، كل إنجاز تحققه المرأة الإماراتية يحمل بصمة "أم الإمارات" التي آمنت أن المجتمع لا يتكامل إلا بتكامل أدواره.
 ولم يقف تمكين المرأة في الإمارات عند حدود الخطاب أو التشريعات، بل أصبح ممارسة واقعية تتجلى في كل مفاصل الدولة. فقد أثبتت المرأة الإماراتية حضوراً بارزاً في الحياة السياسية من خلال المجلس الوطني الاتحادي، حيث وصلت نسبة تمثيلها إلى مستويات متقدمة عالمياً، ما جعل التجربة الإماراتية في إشراك المرأة في صنع القرار نموذجاً فريداً يحتذى به. كما تولت حقائب وزارية حساسة مثل التعليم، والثقافة، والتعاون الدولي، وتنمية المجتمع، والشباب، لتؤكد أن الثقة بالمرأة لم تعد استثناءً، بل قاعدة راسخة في السياسات الوطنية.
 وقد انعكست هذه الجهود في أرقام راسخة تعكس حجم الحضور النسائي في الدولة، فالمرأة الإماراتية تمثل اليوم 50% من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، وهي من أعلى النسب على مستوى العالم، وتشغل 9 حقائب وزارية، وتُشكّل ما يزيد على 70% من خريجي الجامعات الوطنية، فيما تعمل قرابة 66% من النساء في القطاع الحكومي، وأكثر من 30% منهن في مواقع قيادية عليا.
أما على صعيد التعليم، فقد اختارت المرأة الإماراتية أن تكون في الصفوف الأولى دائماً. فقد تجاوزت نسب التحاقها بالتعليم العالي مثيلاتها في المنطقة، وتصدرت مجالات تخصصية دقيقة مثل الطب والهندسة والتقنية والفضاء. ويكفي أن نتأمل مشاركة المرأة الإماراتية في برنامج الإمارات للفضاء ومشاريع البحث العلمي لندرك أن الحديث عن «تمكين المرأة» لم يعد شعاراً، بل أصبح ممارسة يومية تعكس إيمان الدولة بأن العلم والمعرفة هما بوابة المستقبل.
ولعل من أبرز ما يميز التجربة الإماراتية أن المرأة لم تكتف بالأدوار التقليدية، بل دخلت ميادين لم يكن يخطر على بال كثيرين أن تراها فيها، مثل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وقدمت في هذه المجالات نماذج مضيئة من الانضباط والكفاءة والتفاني، حتى باتت مشاركتها في مهام حفظ السلام الدولية رسالة إماراتية إلى العالم بأن المرأة قادرة على حمل أعباء المسؤولية الوطنية والإنسانية على حد سواء.
 ولا يتوقف حضور المرأة الإماراتية عند حدود السياسة أو التعليم أو الأمن، بل يمتد إلى جميع تفاصيل الحياة. فهي اليوم رائدة أعمال تسهم في بناء اقتصاد متنوع، ومثقفة ترفد المشهد الأدبي والفني بإبداعاتها، وإعلامية تروي قصة الوطن بوعي واحترافية، ومتطوعة في ميادين الخير والإنسانية، لتؤكد أن رسالتها المجتمعية لا تقتصر على الإنجاز الشخصي، بل تشمل الإسهام في تعزيز التلاحم الوطني وإعلاء قيم التضامن.
 إن هذا الحضور المتكامل يعكس فلسفة القيادة الإماراتية التي ترى في الإنسان ـ رجلاً كان أو امرأة ـ الثروة الحقيقية للوطن، وهو ما يجسده قول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إن "المرأة الإماراتية شريك أساسي في مسيرة نهضتنا وتقدم مجتمعنا".
 واليوم، ونحن نحتفل بيوم المرأة الإماراتية في عام المجتمع، ندرك أن هذه المناسبة ليست مجرد محطة احتفالية، بل هي لحظة تأمل في حجم الإنجاز الذي تحقق، ورؤية نحو المستقبل الذي تصنعه المرأة الإماراتية بإرادتها وكفاءتها وعطائها. إنها قصة نجاح أهدتها أم الإمارات للوطن، لتظل شاهدة على أن المجتمع المتلاحم لا يقوم إلا على جناحين متكاملين، وأن المرأة الإماراتية ستبقى دائماً عنواناً للعطاء والريادة في مسيرة الوطن.