حين أطلقت هيئة المعرفة والتنمية البشرية (KHDA) في دبي، العام 2013، العقد الجديد لأولياء الأمور بين الأهل والمدارس الخاصة في الإمارة، وجعلته وثيقة ملزمة قانونياً، لم يكن ذلك مجرد إجراء إداري روتيني، بل خطوة نحو ترسيخ رؤية تنظيمية - إصلاحية، تُعيد صياغة العلاقة التشاركية على أسس من الشفافية وحوكمة البيئة التعليمية.
الوثيقة جاءت استجابة لارتفاع "الخلافات" سابقاً، ففي عام 2012/2013 سجلت "الهيئة" نحو 940 شكوى، بينها 74 شكوى في شهر واحد فقط. لكن مع تطبيق العقد في العام التالي، انخفضت الشكاوى بنسبة 20%، ما عكس أثر الوضوح القانوني على العلاقة بين العائلات والمدارس الخاصة.
في عام 2014 توسع نطاق العقد ليشمل 24 مدرسة، تضم أكثر من 38 ألف طالب، بينهم ما يقارب 23 ألف طالب إماراتي، ثم صار لاحقاً إلزامياً على جميع المدارس الخاصة.
هذا الإطار القانوني انعكس إيجاباً على جودة التعليم، ففي تقارير التفتيش للسنة الدراسية 2023/2024 ارتفعت نسبة الطلبة في المدارس المصنفة "جيد" فأعلى إلى 81% أي نحو 292 ألف طالب، بعد أن كانت 77% فقط في الدورة السابقة.
الأرقام تكشف بوضوح أن تقليص النزاعات أتاح للمدارس التفرغ لرفع الأداء وتطوير المناهج، ومنح أولياء الأمور مزيداً من الثقة والمعلومات التي تمكنهم من اختيار البيئات التعليمية المناسبة لذويهم.
من أبرز مكاسب "العقد" أنه عزز السياسات الشاملة للأطفال بمختلف مستوياتهم، وبالأخص الفئات الأكثر هشاشة، وتحديداً ذوي الاحتياجات الخاصة، كأطفال طيف "التوحد" و"فرط الحركة وتشتت الانتباه". فقد نصّ إطار "إطار سياسة التعليم الشامل في دبي" لعام 2017 بوضوح على أنه "لا يجوز رفض قبول الطلاب من أصحاب الهمم على أساس الإعاقة فقط، ويجب أن يُتاح لهم التعليم بجودة مماثلة لزملائهم".
كما أكدت "هيئة المعرفة والتنمية البشرية" في بيانات عام 2020 على أن "المدارس لا يجوز لها رفض قبول الطلاب من فئة الأشخاص ذوي الهمم، ولا يحق لها فرض رسوم إضافية إلا عبر اتفاقية خدمة فردية مُعتمدة لدى الهيئة".
هذه النصوص الرسمية رسّخت مبدأ عدم التمييز، وألزمت المدارس بتوفير خطط تعليم فردية (IEP) وخدمات داعمة، بما يجعل التعليم أكثر عدالة ويدفع نحو دمج الأطفال بمختلف احتياجاتهم في المدارس المتنوعة، جنباً إلى جنب مع أقرانهم من الطالبات والطلاب.
وأكثر من ذلك، تقوم "الهيئة" بزيارات تفقدية للمدارس، تراقب من خلالها مدى التزامها بسياسات "الدمج"، ومستوى تأهيل كادرها التعليمي، ونوعية المرافق والمناهج الخاصة التي توفرها للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، ووفق ذلك يتم تقييم المدرسة، وشرح ذلك بالتفصيل في التقرير السنوي.
وفق ما سبق، يمكن القول إن "عقد أولياء" يعدُّ خطوة متقدمة في حوكمة التعليم الخاص، وضمان الحقوق والشفافية، ويوفر بيئة قانونية مستقرة للأسر والمدارس.
كما يقدم نموذجاً قابلاً للاستفادة منه كتجربة لها ميزاتها، حيث يمكن المواءمة بين حرية التعليم الخاص وحماية حقوق الطلاب، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
إن جودة التعليم لا تتحقق بالمناهج وحدها، أو حداثة المباني، أو كفاءة الطاقم التعليمي والإداري، أو التقدم الرقمي، بل تُبنى أيضاً على قواعد واضحة تنظّم العلاقة بين المدرسة والأسرة وتضمن حقوق الطالب، وهي القواعد التي تدمج بين القانون الحديث والقيم الأخلاقية العليا النابعة من البيئة المحلية في الإمارات.