تناول الكاتب والمحلل السياسي الإيطالي فرانشيسكو سيسكي، في مقاله نقله "موقع آسيا تايمز" عن معهد Appia Institute البحثي، أبعاد العرض العسكري الضخم الذي شهدته بكين في الثالث من سبتمبر (أيلول)، والذي شكّل رسالة صريحة بأن الصين لم تعد مجرد قوة إقليمية، بل لاعباً عالمياً، يسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي.
ووضع الكاتب هذه الاستعراضات في سياق أوسع يتداخل فيه الاقتصاد والسياسة والتحالفات الإقليمية، وصولاً إلى ما يسميه "ملامح حرب باردة ثانية".
بكين تستعرض قوتها العسكرية
وقال إن العرض العسكري الأخير في بكين كشف عن قدرات دفاعية متطورة عكست طموح الصين في حماية مصالحها وتوسيع نفوذها العالمي.
وأضاف الكاتب أن الحدث تزامن مع قمة منظمة شنغهاي في تيانجين، حيث شكّل الحضور الهندي البارز دليلاً على نجاح بكين في استقطاب شركاء جدد، مقابل تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.
ترامب: خسرنا الهند وروسيا لصالح الصين "الأكثر ظلاماً" - موقع 24قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الجمعة، إن روسيا والهند تتجهان بقوة أكبر نحو الصين، وألمح إلى أنه غير راض عن ذلك.
وأوضح سيسكي أن الصين أعلنت التزامها بمبدأ "عدم التدخل" إلا في حال المساس بمصالح القوى الكبرى، لكن التجربة الأوكرانية كشفت عن ازدواجية في التطبيق، حيث تُمنح امتيازات لروسيا، بينما تُطلب من الدول الأضعف تنازلات متزايدة.
سردية تاريخية جديدة
أضاف الكاتب أن بكين تعمل على إعادة صياغة التاريخ، إذ قللت من دور الولايات المتحدة في هزيمة اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وأكدت على دور روسيا والجيش الشيوعي الصيني. وتابع أن هذه السردية تعكس رغبة الصين في ترسيخ صورة مغايرة عن النظام العالمي الذي تقوده واشنطن.
وأوضح سيسكي أن واشنطن انشغلت بالرسوم الجمركية لإصلاح اقتصادها، بينما ركزت الصين على ضخ استثمارات تنموية، أبرزها التعهد برأسمال قدره 1.3 مليار دولار لإنشاء بنك تنمية لمنظمة شنغهاي.
الصين تكشف عن أسلحة جديدة.. التفاصيل كاملة - موقع 24استغل الجيش الصيني عرض يوم الأربعاء في ساحة تيانانمن لإظهار أحدث عتاده العسكري، كثير منه مخصص لمواجهة الهيمنة الإستراتيجية الأمريكية في المحيط الهادئ.
وأضاف أن هذه الاستراتيجية قد تحمل تكاليف باهظة، لكنها تُقدَّم كبديل أكثر جاذبية مقارنة بالنموذج الغربي القائم على المواجهة المباشرة.
نحو حرب باردة ثانية
وتابع الكاتب أن السنوات الثماني الماضية شهدت انفصالاً نفسياً متزايداً بين واشنطن وبكين، ما عزز مناخاً يشبه "حرباً باردة جديدة".
وأضاف أن هذا التحول دفع دبلوماسيين مثل نيروباما راو إلى القول إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان التوازن الأمني في آسيا، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى تحالف "الرباعية" في مواجهة الصين.
ولفت الكاتب النظر إلى إن رئاسة ترامب أدخلت قدراً غير مسبوق من الارتباك في السياسة الأمريكية، وجعلت الولايات المتحدة تبدو قوة متقلبة تفتقر إلى الموثوقية.
وأوضح أن هذا التباين دفع بعض الدول للنظر إلى الصين كخيار أكثر استقراراً، رغم ما يعتري سياساتها من ثغرات.
شاهد.. الصين تستعرض "أسلحة مرعبة" وتوجّه رسالة إلى الخصوم - موقع 24يبدو أن العرض العسكري الضخم الذي شهدته بكين، اليوم الأربعاء، كان عرضاً مُرعباً للأسلحة، وربما يرسل رسالة مفادها أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يؤسس نظام عالمي جديد تتربع الصين على قمته.
أولويات عاجلة أمام واشنطن
أشار سيسكي إلى مجموعة من الأولويات التي يجب على واشنطن التعامل معها سريعاً، أبرزها: إعادة ضبط السلوك الأمريكي لتفادي فوضى يستفيد منها الروس. ورسم خطوط حمراء واضحة أمام بوتين. والتحضير لقمة ترامب–شي لتفادي تكرار فشل لقاء ترامب–بوتين. ومتابعة التحركات الهندية التي تبني شبكة علاقات متعددة. وتعزيز دور اليابان لسد الفراغ الأمني في آسيا. ومواجهة المعضلات الداخلية في الصين، بما فيها الإصلاحات الاقتصادية الجذرية.
الصين والهند.. فرصة تاريخية
أوضح الكاتب أن أمام الصين فرصة لإعادة صياغة علاقتها مع الهند في 3 مجالات:
التجارة: تعزيز تبادل الأدوية والإلكترونيات والسلع الفاخرة مقابل معدات صينية عالية الجودة.
التوازن الإقليمي: حيث يتنافس الطرفان على كسب الجيران، وسط تحالفات هندية مع اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام.
النزاع الحدودي: الذي يظل رهيناً بتجاوز إرث الشكوك المتبادلة.
وأضاف سيسكي أن نجاح بكين في إدارة هذه الملفات، مقروناً بإصلاحات اقتصادية، قد يمنحها نموذجاً جديداً لانفتاح أكثر توازناً في الساحة الدولية.
وخلص إلى أن الصين تتحرك بخطوات محسوبة من الدفاع إلى الهجوم، مستفيدة من أخطاء واشنطن، ومصممة على المضي في صياغة نظام عالمي بديل.
وقال الكاتب إن قدرة بكين على إدارة تحدياتها الداخلية، وتوظيف تحالفاتها مع الهند وروسيا، ستحدد ملامح النظام الدولي في العقود المقبلة.