يشغل استهداف إسرائيل لقيادة حماس في قطر مساحة كبيرة من اهتمام الدوائر السياسية والإعلامية على المستويين الإقليمي والدولي، لاسيما مع استضافة الدوحة لقمة عربية إسلامية طارئة خلال اليومين المقبلين ، وعدم تسمية البيان الصادر عن مجلس الأمن للدولة المعتدية .
ولعل من أهم ما جاء خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي لبحث الهجوم الإسرائيلي على قطر، ما ورد في مداخلة رئيس الوزراء القطري بأنه لم يعد من الممكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله إسرائيل، وأن قادة إسرائيل ضمنوا الإفلات من العقاب والمساءلة، ومشدداً على أن دول المنطقة لا يمكن أن تقبل سلوك إسرائيل المتطرف؛ 

وقد توالت الإدانات من الدول العربية الفاعلة والحريصة على تعزيز التعاون الإقليمي، وفي مقدمتها ما أشار إليه الدكتور أنور قرقاش- المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات - والذي أعاد الإشارة إلى إدانة بلاده بأشد العبارات الاعتداء والهجوم الإسرائيلي على قطر، وأن العدوان الإسرائيلي المتهور على قطر لن يجلب السلام لإسرائيل، وأنه فى مقابل السعي لسلام عادل في المنطقة تشعل إسرائيل وضعًا متفجرًا عبر استهداف قطر، واختتم قرقاش كلمته بالتأكيد على أن الهجوم على قطر يقوض جهود وقف إطلاق النار وإطلاح سراح الرهائن وإنهاء الحرب في قطاع غزة.

وقد لاقت مداخلة السفير أسامة عبد الخالق -مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة - استحساناً إعلامياً وشعبياً لما تضمنته من رسائل قوية فيما يتعلق بأمن قطر وأمن منطقة الخليج، الذى يعد جزءاً راسخاً وأصيلاً من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي، مطالباً المجتمع الدولي بالتصدي لـ"إرهاب الدولة " الذى تمارسه حكومة الاحتلال ضد قطاع غزة واتخاذ موقفاً موحداً وحاسماً ضد إسرائيل وإجبارها علي الامتثال للقانون الدولي ونبذ العنف ؛ ولعلنا نُذَّكر هنا أن القاهرة تدرك جيداً خطورة أهداف تل أبيب تجاه سوريا دفعها باتجاه الإبقاء على حالة الهشاشة السورية ومساعيها نحو دويلة فى الجنوب السوري.

وبالتزامن مع تقديرات بعض مراكز الفكر  التى تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية راهنت من خلال تلك العملية علي الصدمة الاستراتيجية كوسيلة لتسريع التوصل لصفقة بشأن الرهائن ، وما أعلنته القناة الـ12 الإسرائيلية أن نتانياهو سيعرض هذا الأسبوع على وزير الخارجية الأمريكي خطة تهجير سكان غزة -جواً وبحراً - بدءاً من الشهر المقبل، صدر تقرير عن عضوين فاعلين بمجلس الشيوخ الأمريكي ( Chris Van Hollen و Jeff Merkley ) خلصا فيه إلى تطبيق دولة الاحتلال سياسة التطهير العرقي فى غزة ، وجاء تقرير النائبين عن الحزب الديمقراطي عقب جولة قاما بها فى دول الشرق الأوسط، وضمت إلى جانب مصر والأردن ، الضفة الغربية وتل أبيب ، وجاء فى مقدمة التقرير الذى صدر فى ١١ سبتمبر الجارى أن حكومة نتنياهو لا تخشي المجاهرة بسياسات التجويع التى تطبقها على أهالي قطاع غزة.

 واستعرض التقرير إجراءات نقل الفلسطينيين من القطاع وهدم المنازل والحصار والتجويع واعتبرها هدف استراتيجي لحكومة نتنياهو ، واستشهدا بتصريحات علنية لوزير المالية فى حكومة الاحتلال ' سموتريتش ' والذى أكد فيها على أن غزة سيتم تدميرها بالكامل وأن تلك السياسات والتوجهات اللإنسانية أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 63 ألف فلسطيني ، وانتقل التقرير إلى الزيارات الميدانية التى قاما بها فى اسرائيل والضفة الغربية وحدود غزة والأردن ومصر خلال الفترة من 24 أغسطس وحتي 1 سبتمبر 2025 بغرض تقصي الحقائق ، ومن بين الزيارات ميناء أشدود الذي يحتوى على مركز تخزين وتوزيع شحنات المساعدات الغذائية لبرنامج الغذاء العالمي WFP ؛ وكذاك زيارة معبر كرم سالم - الجنوب الغربي لإسرائيل - فضلاً عن إجراء لقاءات مع المسئولين فى تل أبيب بما فيهم الرئيس هيرتزوغ وعناصر - حالية وسابقة - في جيش الدفاع، فضلاً عن قيادات الكنائس بالقدس.

وأبرز ما تطرق إليه واضعا التقرير أنه على الرغم من تركيز الزيارة بصفة أساسية على الوضع الإنساني فى غزة إلا أنهما توجها من إسرائيل إلى الضفة الغربية، ووجدا أن حكومة نتنياهو تطبق سياسات لإجبار الفلسطينيين على ترك أراضيهم ، وأنها بمثابة تطهير عرقي، ولكن بتحركات بطيئة مقارنة بما يجرى فى قطاع غزة ، وأشار التقرير إلى اللقاء الذى تم مع الرئيس أبو مازن ثم الانتقال إلى الأردن ولفتا الإنتباه إلى واقعة سلبية إضافية من جانب حكومة تل أبيب التي لم تمنح طائرة إنزال مساعدات أردنية التصريح اللازم ، علماً بأن النائبين كانا يعتزمان المساهمة فى عملية الإنزال ؛ ثم انتقلا من الأردن إلى الأراضي المصرية وزارا رفح ثم العريش ومقر الهلال الأحمر المصري قبل أن يلتقيا بوزير الخارجية د. بدر عبدالعاطي.

ومن المعلوم أن وتيرة الغضب الدولي تجاه ممارسات الحكومة الائتلافية فى تل أبيب تضاعفت في 2025 وهو العام الذى شهد أكبر قدر من انفصال نتنياهو عن الواقع ( عزلة إسرائيل - توجه دولي لفرض تدابير عقابية - ملاحقات دولية لجنود إسرائيليين) وأصبح أسيراً لهوس البقاء ، ولعل أبرز مظاهر الغضب الدولى إعلان صندوق الثروة النرويجي فى 11 أغسطس الماضى إنهاء عقود مرتبطة بإسرائيل وبيع استثماراته فى 11 شركة إسرائيلية ، وعلى الرغم أن ذلك التحرك لا يعد انسحاباً كاملاً من السوق الإسرائيلية ، إلا إنه تزامن حينها مع القرار النرويجي مع تحركات أوروبية لتقييد مشاركة تل أبيب فى برنامج " هورايزون أوروبا " لتمويل الأبحاث.

وامتدت حالة الغضب من ممارسات الحكومة الائتلافية الحالية إلى المسئولين العسكريين والدبلوماسيين السابقين فى تل أبيب ، والتى تبرز في حديث "جيريمي يسخاروف" السفير السابق لإسرائيل لدى ألمانيا، خلال مشاركته في جلسة حوارية حول " صراعات إقليمية (غير) محسومة" ضمن فعاليات النسخة الثانية من منتدى هيلي ، والذى أوضح أن سياسة الحكومة الإسرائيلية "الراهنة " لا تحظى بدعم الأغلبية العظمى من الإسرائيليين في هذه المرحلة ، وجاء علي لسانه " أنه بالرغم  أن لدينا نظامًا ديمقراطيًّا، وحكومة وائتلافًا انتُخبا ديمقراطيًّا، وسيبقيان في موقعَيْهما حتى موعد الانتخابات المقبلة؛ فلا يمكن القول إن السياسة الحالية تعكس إرادة الشارع الإسرائيلي" ، واستطرد حديثه بالقول أن القضية الفلسطينية تظل الملف الأهم والأعظم ، وأنه فى 6 أكتوبر 2023 كانت إسرائيل تنعم بالسلام مع مصر والأردن، وكانت الاتفاقيات الإبراهيمية قائمة، وأضاف "ولكننا أخفقنا.. وأستخدم ضمير الجمع؛ لأن منطقتنا أخفقت في توسيع نطاق السلام وإرسائه. وأما بعد 7 أكتوبر، فقد برزت عناصر جديدة جعلت القضية الفلسطينية ذات ثقل استراتيجي في ترسيخ واقع جديد".

ويلاحظ فى هذا الإطار ، أن رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي قد صرح مؤخراً بأن 10% من سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة قد قُتلوا أو أصيبوا أي أكثر من 200 ألف شخص، وهي أرقام قريبة من الأرقام التي تعلنها وزارة الصحة في غزة وتنفيها سلطات الاحتلال، وجاء التصريح بالتزامن مع دعوة أفيغدور ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" إلى قادة وأحزاب المعارضة للتشاور حول وضع خطوط عريضة للحكومة المقبلة.

إجمالاً ، يمكن القول أن تردد واشنطن في تحجيم شطحات نتنياهو والميل إلى العدوانية في استراتيجية إسرائيل الأمنية، سيقوض أفكار التكامل الإقليمي ويلحق ضرراً آنياً ومستقبلياً بأهداف السياسة الخارجية لإدارة ترامب فى الشرق الأوسط والدوائر الجغرافية المحيطة به، وقد يمنح الفاعلين الدوليين المنافسين فرصة الظهور كحلفاء موثوقين للمنطقة.