وصف المؤرخ العسكري والأكاديمي الفرنسي بيير رازو، المُتخصص في شؤون الجيش الإسرائيلي والشرق الأوسط، العملية البرية الجديدة التي تستهدف من خلالها إسرائيل قلب مدينة غزة، بأنّها "ليست حملة احتلال بقدر ما هي عملية تحطيم وتدمير مُمنهج للمدينة".

ورأى رازو في مُقابلة مع صحيفة "لو فيغارو" أنّ هذه الحملة تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية، وتهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق مكسب ميداني قبل حلول ذكرى هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، حيث تدخل الحرب عامها الثاني.

استعراض إنجاز عسكري!

وقال رازو، وهو المدير الأكاديمي للمؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية في فرنسا، ومؤلف كتاب "تاريخ جديد للجيش الإسرائيلي"، إنّ إسرائيل لم تشهد مُواجهة بهذه الكثافة منذ حرب الاستنزاف مع مصر بين عامي 1967 و1970.

وأوضح أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يسعى إلى "استعراض نجاح عسكري ملموس" قبل الذكرى الرمزية للهجمات التي شنّتها حركة حماس، وقبل ما قد تشهده الساحة الدولية من تحرّكات قد تُؤدّي إلى اعتراف مزيد من دول العالم، بدولة فلسطينية خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر (أيلول) الجاري.

ويرى المؤرخ العسكري أنّ إسرائيل تعيش اليوم عزلة مُتزايدة على الساحة الدولية، خصوصاً بعد الضربة التي استهدفت الدوحة الأسبوع الماضي، والتي اعتبرها نقطة تحوّل في نظر عدد من القوى الإقليمية، بما فيها دول الخليج العربي، إلى "نهج حكومة نتانياهو وجهازها العسكري الذي بات يُنظر إليه على أنّه يتجاوز حدود الردع إلى مستوى التهديد".

وفي ظلّ هذا المناخ، يبدو أنّ القيادة الإسرائيلية عازمة على توجيه ضربة كبيرة في غزة لإعادة فرض مُعادلة الردع وإظهار قُدرتها على الحسم.

تدمير منهجي للمدينة

وفي ما يخص تكتيكات العملية البرّية، أوضح رازو أنّ الهدف الأساسي للقوات الإسرائيلية هو "دفع أكبر عدد ممكن من سكان غزة إلى النزوح"، وهو ما يتطلب "تحطيم البنية التحتية للمدينة وجعلها غير قابلة للحياة".

واعتبر أنّ تدمير الأبراج السكنية قبل أيّام كان بمثابة تمهيد لإيصال رسالة واضحة بأن "لا أحد في مأمن". وقارن المؤرخ ما يجري اليوم في غزة بما حدث خلال معركة بيروت عام 1982، حين تخلّت إسرائيل حينها تدريجياً عن حرصها على تجنيب المدنيين الخطر بهدف طرد منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية.

ووفق تقديرات رازو، استدعت إسرائيل نحو 50 ألفاً من قوات الاحتياط، نصفهم للمُشاركة مباشرة في العملية البرّية والنصف الآخر لتأمين جبهات أخرى والتخفيف على القوات النظامية لتحريرها من مهامها لإعادة نشرها في غزة.

وبحسبه، فإنّ حجم القوات المُشاركة يُعادل نحو ثلاث فرق عسكرية تتمركز في محيط المدينة، بينما تتولى فرقة رابعة السيطرة على جنوب القطاع عند رفح، في مشهد يُعيد إلى الأذهان المراحل الأولى من الحرب أواخر عام 2023.

معركة على الأرض ورهائن مفقودون

وبيّن رازو أنّ خطة التوغل تتضمن السيطرة على المدينة "نقطة بنقطة" مع تدمير منهجي للبنية التحتية، في مسعى لتحديد مواقع الرهائن الإسرائيليين الذين يُعتقد أنّهم ما زالوا مُحتجزين داخل غزة. لكنّه حذّر من أنّ مصير هؤلاء الرهائن سيكون رهناً بقرارات الفصائل المسلحة المختلفة، إذ قد يُساوم بعضهم على حياتهم مقابل مكاسب ميدانية أو سياسية، في حين قد يُقدم آخرون على إعدامهم انتقاماً.

أما عن قُدرات حماس، فقد أشار الخبير العسكري إلى أنّ الحركة "تلقّت ضربة قاسية منذ بداية الحرب" وفقدت عدداً كبيراً من مُقاتليها المُخضرمين، ما اضطرها إلى الاعتماد على مُجنّدين شبان يفتقرون إلى الخبرة القتالية. ومع ذلك، تبقى البيئة الحضرية المُدمّرة بيئة مثالية لزرع العبوات الناسفة ونصب الكمائن، ما يجعل القوات الإسرائيلية عُرضة لخسائر ملموسة رغم تفوّقها العسكري.

وأضاف أنّ "حماس لديها مصلحة في إطالة أمد المعركة لاستثمار عزلة إسرائيل الدولية وزيادة الضغط السياسي عليها".

حملة محدودة زمنياً.. وأهداف أبعد!

وتوقّع رازو أن تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إنهاء العمليات الكبرى خلال ثلاثة أسابيع، انسجاماً مع رغبة نتانياهو في إعلان نجاح عسكري قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول). لكنّه رأى أنّ هذا الإطار الزمني قد لا يكون كافياً لتحقيق أهداف بعيدة المدى مثل القضاء على حماس أو السيطرة الكاملة على قطاع غزة، وهي أهداف لم تتحقق رغم مرور نحو عامين على بدء الحرب.

وعن السيناريوهات المُقبلة، لفت المؤرخ إلى أنّ غزة ليست الجبهة الوحيدة أمام الجيش الإسرائيلي، الذي يُراقب عن كثب جبهة لبنان مع حزب الله، فضلاً عن الساحة السورية والضفة الغربية واليمن وإيران. وتوقّع أن يكون الهدف التالي بعد غزة هو تحييد حزب الله أو على الأقل فرض مُعادلة ردع جديدة شمالاً، خصوصاً إذا تصاعدت الضغوط الدولية للاعتراف بدولة فلسطينية.

كما لم يستبعد المؤرخ العسكري الفرنسي احتمال عودة المُواجهة المباشرة مع إيران، سواء عبر حملة جوية تستهدف منشآتها النووية أو من خلال عمليات خاصة لشلّ قُدراتها العسكرية. لكنّه أشار إلى أنّ إسرائيل لم تتمكن من تدمير البرنامج النووي الإيراني في يونيو (حزيران) الماضي، ما يجعل نجاحها في المُحاولة المقبلة محلّ شك. وخلص إلى أنّ أيّ مسعى لإسقاط النظام الإيراني سوف يُمثّل "مرحلة جديدة كلياً" من الصراع الإقليمي.