قال وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي، إن الدوحة كانت وسيطاً موثوقاً في أكثر النزاعات تعقيداً في العالم، حيث استضافت قادة من دارفور، وفنزويلا، وأفغانستان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ولبنان، وإيران، وتشاد، وأوكرانيا، إضافة إلى مساعيها لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. 

وأضاف الخليفي في مقال بصحيفة "واشنطن بوست" أن الوساطة تعد مجالًا متخصصاً تناسب قطر بشكل فريد، كونها دولة صغيرة في منطقة مضطربة، وطلبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، مساعدة قطر في التوصل إلى حلول دبلوماسية، وأسهمت هذه الشراكة في تحقيق الكثير من السلام في العالم.

سابقة تاريخية

وتابع الوزير القطري "لم يسبق في التاريخ الحديث أن هاجم طرف متنازع دولةً وسيطة، وانتهك الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على الدوحة الأسبوع الماضي مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي مبادئ أساسية في القانون الدولي. وكان هذا الهجوم بمثابة اعتداء على ممارسة الوساطة نفسها، كما ألقى بظلال من الشك على مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية مع حركة حماس. وقد وقع هذا الهجوم على أراضي دولة حليفة للولايات المتحدة، وعلى بعد أميال قليلة من مقر القيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية، حيث يوجد أكثر من 10 آلاف من أفراد الجيش الأمريكي وعائلاتهم".

وقال الخليفي إن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو هدد بإجراء ضربات إضافية إذا لم تستجِب قطر لمطالبه. واستغل هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لتبرير الضربات الإسرائيلية في جميع أنحاء المنطقة - في اليمن ولبنان وسوريا وإيران والآن في قطر، وقد رافق هذا السلوك العشوائي دمار شبه كامل في غزة استمر قرابة عامين، مؤكداً أن قتل الفلسطينيين وتشريدهم وإخضاعهم للحصار من قبل إسرائيل هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. ولم يحاسب أحد على هذه الأعمال، ولم تُفرض أي عقوبات على إسرائيل".

إسرائيل الكبرى

وأشار الخليفي إلى أن "نتانياهو يشعر برابط وثيق مع فكرة "إسرائيل الكبرى"، وهي فكرة توسعية تدعي امتلاك أراضٍ في عدة دول مجاورة، وبفضل طموحه وأفعاله المدمرة، أصبح يشكل تهديداً كبيراً للسلام والأمن في الشرق الأوسط وللنظام القانوني الدولي".

وأضاف "التبريرات التي قدمتها حكومته - مثل مقارنة الهجوم على قطر بملاحقة الولايات المتحدة لأسامة بن لادن، أو العمليات العسكرية الفرنسية في أفريقيا، ودور بريطانيا في مكافحة تنظيم داعش، ليست سوى تحريفات وتضليلات"، وتابع "على سبيل المثال، لم تستهدف الولايات المتحدة مكتب طالبان في الدوحة أثناء المفاوضات مع الحركة، بل إن واشنطن طلبت من قطر استضافة المفاوضات لأنها كانت تدرك أهمية وجود قناة اتصال موثوقة، وقد ساهمت هذه القناة في التوصل إلى اتفاق أنهى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة".

وتابع "إسرائيل نفسها اعتمدت مراراً على قطر كقناة. فقد أُنشئ مكتب حماس في الدوحة بالتنسيق مع الولايات المتحدة لتمكين التواصل غير المباشر وتجنب التصعيد والإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحاً، وتعامل قادة إسرائيليون عبر حكومات ائتلافية مختلفة مع هذا المكتب، ولأعوام طويلة استُخدم لمنع اندلاع النزاع وتسهيل إيصال الأدوية والوقود وسلع الإغاثة الأخرى إلى الفلسطينيين، ودائماً بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة".

وأضاف "منذ اندلاع الحرب مع حماس، أسفر الحوار بوساطة قطرية عن الإفراج عن أكثر من 140 رهينة إسرائيلية، كما مكّن دخول مساعدات إنسانية منقذة للحياة إلى غزة، لذا فإن انتقاد نتانياهو اليوم قطر لاستضافتها مسؤولي حماس إنما هو إهانة لذكاء المجتمع الدولي والإعلام وحتى للرأي العام الإسرائيلي".

وأكد الخليفي أن "العالم الذي يُنتهك فيه مبدأ السيادة دون أي حساب هو عالم يزحف نحو الفوضى. هذا ليس العالم الذي كان الرئيس دونالد ترامب والأمير القطري يسعيان إلى بنائه. في ظل هذا الوضع الخطير المتصاعد، يجب على المجتمع الدولي أن يتوحد ويضع حداً صارماً. مشيراً إلى أن إدانة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للهجوم الإسرائيلي خطوة أولى إيجابية، لكنها لا يجب أن تكون الأخيرة".

وقال: "إن سلامة الوسطاء لا تهم قطر وحدها، بل هي ركيزة أساسية للدبلوماسية الدولية. فبدون ذلك، يصبح تحقيق السلام في أي مكان مستحيلًا".