كلّما اقتربتُ من اللغة العربية تأكد لي أنها ليست مجرد مفردات نحفظها أو تراكيب نردّدها، بل هي مرآتنا العميقة، ذلك النهر السري الذي يروي أرواحنا منذ آلاف السنين. لكن هذا النهر، إن لم نمدّه بجداول جديدة، قد ينحسر، ويجفّ عند أبنائنا الذين وُلدوا في عصر الذكاء الاصطناعي. لذلك أجدني اليوم أكثر إيمانا بأن واجبنا تجاه العربية لا يقتصر على رعايتها بوصفها تراثا فحسب، بل على جعلها رفيقة لهذا العصر، حاضرة في أدقّ تفاصيله، متصلة بمستقبل أبنائنا اتصالَ الروح بالجسد. لقد أردنا من خلال عملنا في مركز أبوظبي للغة العربية أن تكون لغتنا جزءا من نبض العالم، وأن تتحرّر من صورة الضيف على العصر لتصير من صُنّاعه؛ لهذا كانت لحظة إعلان المشروع الكبير لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي مع “أمازون أليكسا” بقيادة مركز أبوظبي للغة العربية، لحظة مبهجة بالنسبة إليَّ، شعرت فيها بأنّ العربية تستعيد صوتها على واحدة من أوسع المنصات التقنية في العالم. أن يسمع الملايين عبر المساعد الصوتي معجم “دليل المعاني”، أو يكتشفوا الموسوعة الشعرية بمجرد أن ينطقوا بأمرٍ صوتي، أو يحلقوا بين آلاف الكتب من كلمة للترجمة أو إصدارات وغيرها، فهذا ليس ترفا ثقافيّا، بل خطوة لا بد منها. لقد تطلعت دائما إلى أن تكون المكتبة العربية فضاء مفتوحا، لا جدران له ولا أبواب، مكتبة تسافر إلى القارئ قبل أن يسافر إليها.
ومن هنا انطلق مشروعنا الثقافي الكبير لإنشاء مكتبة رقمية شاملة، تتسع لكل قارئ أينما كان، وتتيح له أن ينهل من ينابيع الثقافة والفكر والأدب والفنون. إن هذه المكتبة ليست مجرد أرشيف رقمي، بل حديقة من الأفكار، ومسرح تلتقي فيه الأجيال، ونافذة تطلّ على الماضي والمستقبل معا.
أردنا لها أن تعيد شغف القراءة في زمن يظن بعضهم أنه زمن الصورة وحدها، وأن تكون الجسر الذي يعبر به شبابنا إلى كنوز تراثهم بوسائل عصرية. وإذا كان الشعر هو ديوان العرب، فإنني أرى في إدخاله إلى عالم المساعدات الصوتية إعادة لإيقاعه الأول، كأنه يعود لينشد في الأسواق والمجالس، لكن على مسرح كوني يسمعه العالم كله. تخيّلتُ المستخدمين في أقصى الأرض يستمعون إلى قصائد امرئ القيس، وأبي الطيب بنغمة صوتية سَلِسة، فأدركت أن العربية لم تفقد سحرها، بل نحن من قصّرنا في تقديمها للعصر بالشكل الذي يليق بها. تعلمنا في دولة الإمارات أن الاستثمار في الثقافة ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لبناء المستقبل. وقد غرس فينا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة - حفظه الله - ومن قبله الأب المؤسس الشيخ زايد - طيّب الله ثراه - هذا اليقينَ بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء لغته ووعيه وهويته؛ ولذلك جاءت مشاريع مركز أبوظبي للغة العربية لتكون ترجمة عملية لهذه الرؤية، وتعبيرا عن إيماننا بأن العربية ليست حنينا إلى الماضي، بل مشروعا للمستقبل، مشروعا قادرا على أن يواكب الثورة الصناعية الرابعة ويجد لنفسه مكانا في قلب الثورة الرقمية.
لا شك في أن الطريق طويل، وأن التحديات كثيرة: حماية الحقوق الفكرية، تحديث المحتوى، مواكبة التقنيات التي تتغيّر كل يوم. لكننا نؤمن، كما علمتنا القيادة الحكيمة، أن التحديات هي التي تمنحنا شغف الاستمرار، وأنها تدفعنا لأن نكون أكثر ابتكارا، وأكثر مثابرة على ابتكار الأمل، وأكثر استعدادا لعَقْد الشراكات التي تجعل لغتنا على مقربة من كل إنسان، في كل مكان.
حين أكتب عن هذه المشاريع أشعر بأنني لا أكتب عن مجرد اتفاقيات أو منصات رقمية، بل عن حلم يخرج من المخطوطات ليعيش في هواتفنا وأجهزتنا، حلم بأن تكون العربية لغة يومية، تسمعها في سيارتك، وتراها في شاشتك، وتقرؤها في كتبك، وتجدها في قصائدك المفضّلة بضغطة زِرّ. هذا هو المستقبل الذي أريده للغتنا: أن تظل نهر الحياة الذي يروي الروح ويمنحها المعنى، وأن تبقى صوتا للهوية وحارسا للذاكرة، وفي الوقت نفسه جسرا نحو الغد، نحو عالم لا مكان فيه للغائبين. سنواصل المسيرة، واستثمار البيئة الراقية ماديا ومعنويا التي وفرتها دولة الإمارات، من أجل أن نزرع في كل جيل حبّ هذه اللغة وإيمانهم بقدرتها على مرافقتهم في كل مرحلة من حياتهم. وحين أرى أطفالنا يستمعون إلى القصائد عبر أجهزتهم، أو يبحثون عن معاني الكلمات عبر المساعد الصوتي، أدرك أن ما بدأناه قد بدأ يؤتي ثماره، وأن العربية تمضي واثقة نحو المستقبل.
أؤمن تماما بأن اللغة حين تخرج من حدودها الضيقة لتسكن الحياة اليومية تصبح أكثر قدرة على البقاء؛ لذلك أطمح إلى أن يتحول كل هاتف إلى مكتبة صغيرة، وكل تطبيق إلى جسر يقود إلى العربية، وكل طفل إلى راوٍ جديد لقصة قديمة تتجدّد مع كل جيل. إننا لا نصنع مشروعا ثقافيّا فحسب، بل نصنع ذاكرة للمستقبل، ونكتب سطرا جديدا في قصة أُمّة أرادت أن تبقى، وأن تجعل لغتها جَوازَ عبور نحو الغد، لغة تليق بالمستقبل بقدر ما حفظت الماضي، لغة للإبداع والفن والعلم والثقافة والمعرفة والجمال.