استضافت مؤخراً مؤسسة تراثنا في المسرح الأرثوذكسي بحمص المعرض الأول للفنان التشكيلي السوري منير الشعراني في فن الخط العربي، وهو أول معرض للشعراني بعد سقوط النظام البائد، إذ امتنع عن المشاركة بأي نشاط فني طوال 14 عاماً، كموقف منه ضد النظام المخلوع في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
جماليات الخط العربي
وكان الفنان منير الشعراني الذي سبق له أن أقام معارض عدة في عدة عواصم أوروبية، وله فيها مقتنيات من أعماله، قد عبر عن موقفه من النظام البائد، من خلال لوحات بفن الخط العربي تم تداولها كثيراً عبر صفحات الفيسبوك، وكان من أشهرها " أوقفوا القتل"و"لا للقتل"، مختاراً مدينة حمص لعودته إلى ساحة النشاط الثقافي والفني، وذلك ضمن فعالية فنية ثلاثية بعنوان "إيقاعات خطية"، كان أولها المعرض الذي ضم (38) لوحة من أعماله، ثم ألقي بعد أسبوع محاضرة تحدث فيها عن رحلته مع فن الخط، وأطلق بعد أيام عدة دورة تدريبية لتعليم فن الخط الكوفي.

جاءت لوحاته بأحجام مختلفة وإن تشارك القسم الأكبر منها بقياس واحد، وجمع بينها تجسيد جماليات الخط العربي وتميّزه، وحملت بصمته الخاصة في كتابة بعض الخطوط وتشكيلها، معتمداً فيها على خطوط الكوفي والديواني والسنبلي والمغربي والمشرقي المطوّر.

وقد عكست اللوحات تجربته الفريدة التي تعكس خبرته خلال العقود العديدة التي مرت فيها، واختمرت علاقته بفن الخط العربي، وتنوعت في اختيار جمل وحكم ومقولات دينية ودنيوية، ما جعل لوحته تغرّد خارج سرب الكثير من الفنانين، وظل ينوّع حتى أمست لوحته تُعرف باسمه من دون توقيع، لما اجتهد في تطوير الخطوط العربية التقليدية، وأغلب لوحاته تأتلق بحرف الألف الذي يسمو نحو المطلق حتى لو كان مائلاً.

لا إمام سوى العقل
ولأنه قد يصعب على معظم المتلقين للوحات فن الخط العربي قراءة العبارات التي نسجت بها اللوحات، فقد تم توزيع كرّاسٍ صغير فيه صور صغيرة للوحات المشاركة بالمعرض وإلى جانبها العبارة، لتتم عملية التلقي للوحات الفنية، ومنها نختار أن نقرأ: وقد خاب من حمل ظلماً - يا كلّ كلّي كن لي - إن أسهبت أتعبت وإن أوجزت أعجزت وإن أفصحت أوضحت- أنت في كل شيء - ما أبتغي جلّ أن يسمى - لا إمام سوى العقل – الإنسان الجواب – أنت حد نفسك - آفة الرأي الهوى- إنما الميّت ميّت الآمال- لا إكراه في الدين- لا دين لمن لا عقل له - نعم للحرية - عليك عيني يا دمشق - لسورية السلام والحرية - ما أنا إلاّ خطاي - لا إبداع حيث لا حرية- وعبارات أخرى، ويلاحظ أن بعضها كتبت في لوحتين وكل واحدة بخط من الخطوط العربية، ليقدّم لنا بذلك جماليات كل خط.

بين الالتزام والإبداع
وخلال فعاليات المعرض سلط الفنان الشعراني الضوء في لقاء له مع محبي فنه وإبداعه، على تجربته مع فن الخط التي بدأت منذ طفولته في مدينته سَلَمْية التابعة لمحافظة حماة، والتي ظهرت فيها ميوله الفنية نحو الخط وفن الرسم، وليس غريباً أن يمضي نحو الشعر والكتابة، فهو ابن مدينة ثقافة أنجبت عظماء في فنون أدبية وثقافية متنوعة.

ومن خلال الحديث عن تجربته وتطورها، سلط الضوء على تاريخ الخط العربي، إذ استعرض التطور التاريخي لهذا الخط منذ ما قبل الإسلام بـ 600 عام، والإضافات التي تمت عليه في العصر الأموي، وصولاً إلى تألقه وازدهاره في العصر العباسي وتطوره المستمر حتى يومنا هذا.

كما تحدث عن تجربته التي مزج فيها بين الالتزام بالقواعد التقليدية والإبداع التشكيلي المعاصر. أما بداية تعلمه فن الخط فكانت على يد الخطاط الراحل بدوي الديراني في دمشق، ثم أشار إلى تأثير دراسته الأكاديمية للرسم والتصوير في تطوير أسلوبه المميز الذي يجمع بين الكتابة والفنون التشكيلية.
وتجدر الإشارة إلى أن الفنان منير الشعراني (مواليد عام 1952)، ويعد من أبرز الخطاطين العرب المعاصرين، الذي تفرّد بأسلوبه، من خلال نسج لوحاته بخيوط من الأصالة والحداثة، مستلهماً جماليات لوحاته من نصوص من الشعر، والأقوال المأثورة، والآيات القرآنية.

أما الفعالية الثالثة التي أقامها الفنان الشعراني فهي إطلاقه ورشة تدريبية لتعليم فن الخط الكوفي، بمشاركة مجموعة من الخطاطين والمهندسين المعماريين من أجيال مختلفة، تجاوز عددهم عشرة متدربين، وذلك في المسرح الأرثوذكسي، الذي يقع بحي بستان الديوان بحمص القديمة، وتهدف الدورة أيضاً إلى تعزيز أهمية فن الخط العربي وتكريسه كفن عريق من ضمن فنون الثقافة العربية البصرية. ولا يزال معرض " إيقاعات خطية" مستمراً.