على الرغم من مزاعم التدخل الروسي والظروف الداخلية الصعبة، نجح الحزب المُؤيّد لأوروبا في مولدوفا بقيادة الرئيسة مايا ساندو في الحفاظ على أغلبية برلمانية في الانتخابات التي أجريت قبل أيّام. ومع ذلك، يبقى طموح الانضمام للاتحاد الأوروبي مُعلّقاً بسبب الفيتو المجري.
قبل 5 سنوات، لم يكن هذا البلد الصغير، الفقير، والمُمزّق بين اتهامات الفساد ومنطقة انفصالية موالية لموسكو، يحظى بأيّ اهتمام عالمي. لكنّه اليوم، أصبح مركزاً للتوسّع الأوروبي المُستقبلي وساحة مواجهة رئيسية مع روسيا.
تقول نيللي ديدلوت، الكاتبة والمحللة السياسية الفرنسية المُختصّة بالشؤون الأوروبية، إن نجاح مولدوفا في الانتخابات التشريعية يعكس قدرة دولة صغيرة على مواجهة تدخلات خارجية وضغوط داخلية، مُعتبرة أن الشعب المولدوفي اختار مساراً مُؤيّداً لأوروبا والديمقراطية، رغم التحدّيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وبحسب يومية "ليبراسيون" فإنّ الطريق نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي لا يزال مفتوحاً، لكنّه محفوف بالتعقيدات الجيوسياسية والإجرائية، ومُتشابك مع الملفات الكبرى مثل أوكرانيا وتأثير القوى الإقليمية، مما يجعل مولدوفا، البلد الصغير، رمزاً لمُواجهة بين بروكسل وموسكو في قلب أوروبا الشرقية.
انتصار الحزب المُؤيّد لأوروبا
في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حصل حزب العمل والتضامن (PAS) بزعامة مايا ساندو على 50.2% من الأصوات، ليُؤكّد أغلبية مُطلقة في البرلمان، ومُعادلاً تقريباً نتائج انتخابات 2021 التي شهدت صعوده على خلفية برنامج مُكافحة الفساد.
لكنّ التطوّرات اللاحقة كانت أصعب بكثير، إذ واجهت الحكومة تبعات جائحة كوفيد، الحرب في أوكرانيا وما صاحبها من موجة لاجئين، التضخم المُتزايد، أزمة الطاقة المستمرة، وضغوط التدخل الروسي. وللتغلب على هذه التحديات، اعتمد الحزب استراتيجية الاستقطاب وعدم التحالف مع أي جهة أخرى، بهدف حشد مؤيدي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للتصويت لصالحه.
يُشير المحلل السياسي فلوران بارمنتير إلى أنّ نحو 30% من الناخبين كانوا مترددين قبل أيام من الاقتراع، وقد دفعهم القلق إلى دعم الحزب الحاكم رغم شعور الكثيرين بخيبة أمل من أدائه.
مواجهة التدخل الروسي وضمان النزاهة
بعد التدخلات الروسية خلال استفتاء الاتحاد الأوروبي العام الماضي، اتخذت الحكومة إجراءات صارمة لتعزيز النزاهة الانتخابية، بما في ذلك تشديد العقوبات على شراء الأصوات، وهي ممارسة واسعة الانتشار يُزعم أنّها موجودة لدى شبكات مؤيدة لموسكو.
وفي الأيّام التي سبقت الانتخابات، أظهرت السلطات قوتها باعتقال عشرات الأشخاص المُتّهمين بتحضير حملات زعزعة الاستقرار ما بعد إصدار النتائج، واستبعاد حزبين موالين لروسيا مُرتبطين بكتلة الرئيس السابق إيغور دودون بسبب اتهامات بالتمويل غير القانوني وغسيل الأموال.
إلا أنّ هذه الإجراءات وضعت السلطات على خط رفيع بين مواجهة التهديدات الروسية والحفاظ على المعايير الديمقراطية. ولعلّ المُشاركة العالية للجاليات المولدافية في الخارج ولناخبي منطقة ترانسنيستريا كانت أبرز التحدّيات. فقد تعرّضت مكاتب الاقتراع في بروكسل وروما وأليكانتي (إسبانيا) لتقارير كاذبة عن وجود قنابل، في محاولة لتخفيض مُشاركة الناخبين المؤيدين للحزب الحاكم، بينما اقتصر فتح المكاتب في روسيا على مكتبين فقط لتقليل احتمالية التلاعب.
أما بالنسبة لسكان ترانسنيستريا، فقد وُضعت عدّة عراقيل لتقليل مُشاركتهم، منها تحويل مواقع مكاتب الاقتراع من المناطق الحدودية إلى العاصمة كيشيناو أو أماكن أخرى، إضافة إلى إغلاق بعض الجسور المُؤدّية من المنطقة الانفصالية إلى بقية البلاد. ورأى خبراء محليّون في ذلك استراتيجية روسيّة لدفع السلطات المولدوفية لاتخاذ قرارات قد تُعتبر غير ديمقراطية، وهو ما كان محلّ اتهام من قبل إيغور دودون الذي وصف الانتخابات بأنّها مزورة، رغم أنّ تجمع أنصاره كان محدوداً وغير مُؤثّر.
رمز للثبات الأوروبي
وترى ديدلوت أنّ مولدوفا أصبحت اليوم رمزاً للثبات الأوروبي، مُشيرة إلى أنّ رسائل التهنئة من القادة الأوروبيين عكست ارتياحهم لتجنّب سيناريو مُشابه لـِجورجيا في حال فوز الموالين لموسكو. كما وأشاد رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، بـِ "شجاعة الشعب المولدوفي ورئيسته في الحفاظ على الديمقراطية والمسار الأوروبي ووقف مُحاولات روسيا للسيطرة الإقليمية".
وفي ذات الصدد، لعب الاتحاد الأوروبي دوراً واضحاً، من خلال زيارة القادة لمولدوفا ودعم الرئيسة، وفرض عقوبات على شخصيات موالية لموسكو، وتقديم خطة دعم بقيمة 1.9 مليار يورو للبنية التحتية في البلاد. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين "بابنا مفتوح لكم".
تحدّيات الانضمام
الطريق نحو الانضمام الرسمي للاتحاد الأوروبي لا يزال مُعقّداً. إذ رغم سرعة توافق التشريعات المولدوفية مع قوانين الاتحاد، وفق المفوضية، إلا إنّ المسار الرسمي مُعلّق بسبب الفيتو المجري، المُرتبط بملفات أوكرانيا التي لم تتقدّم في طريق الانضمام، ما يجعل المصير الأوروبي لمولدوفا مُرتبطاً بتوازنات سياسية أكبر.
كما أنّ تجارب دول البلقان المُجاورة تُشير إلى أنّ الانضمام الفعلي يحتاج لإصلاحات هيكلية كبيرة، رغم التوافق التشريعي السريع في مولدوفا. ومع ذلك، فإنّ قُدرة البلاد على التقدّم بسرعة في المفاوضات، حال إطلاق المسار رسمياً، تُعدّ حالة غير مسبوقة، إذ يُمكن فتح جميع فصول المفاوضات الـ35 في سنة واحدة.