لم يفز أدونيس بجائزة نوبل للسلام لعام 2025، رغم ترشيحاته المتعدّدة لها منذ العام 1988، ولا يعودُ ذلك إلى عدم أهلية أحد أبرز شعراء العرب ومفكريهم القديرين، على الأقل منذ منتصف ستينات القرن الماضي، إلى يومنا هذا، مع غياب قبّاني ثم درويش والآخرين.
وعدمُ فوزه بالجائزة، لا يعني بأيّة حالٍ من الأحوال، أنّه غير جديرٍ بها، فلا تنقصُ أدونيس الجوائز، كجائزة جان مارليو للآداب من فرنسا عام 1993، وجائزة فيرونيا سيتا دي فيامو روما الإيطالية التي نالها عام 1994، وجائزة ناظم حكمت عام 1995، وجوائز الشعر العالمية كجائزة البحر المتوسط، وجائزة الإكليل الذهبي للشعر وجائزة نونينو وليريسيبيا وغوته، وغيرها. إلا أنّ عدم فوز أدونيس، يلحُّ علينا بسؤال عن أهمية جائزة نوبل نفسها، وآليات الترشيح والفوز بها، بعيداً عن نمطيات تفكيرنا العربي بالجوائز، كامتياز وتفرُّد وانتصار في مجالٍ معيّن من مجالات التنافس والسباق، والاقتراب أكثر من العقلية الاسكندنافية الحازمة جداً، والحيادية الباردة جداً، والمنطقية الدقيقة جداً حتى العظم.
فهذه الجائزة العالمية، وعبر فئاتها المختلفة في السلام والكيمياء والآداب والفيزياء وعلم وظائف الأعضاء والطب، هي جائزة أعطيت طوال تاريخها العريق منذ انطلاق فكرتها بوصية مخترع الديناميت ألفريد نوبل عام 1895، وإطلاق دورتها الأولى عام 1901، إلى كلِّ من رأته لجنتها مستحقاً الفوز بناءً على إنجازٍ واحد مُبهر من إنجازاته العديدة، كاختراع نظرية أو عنصر أو ، أو تطويرها، أو أبحاث معينة في مجال مختص، وهذا ما يفسّر استحقاق بعض الفائزين بها لأكثر من جائزة طوال حياتهم، ومنهم ماري كوري، الشخص الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في مجالين علميين مختلفين مرّتين، في الفيزياء عام 1903 (بالاشتراك مع زوجها بيير كوري وهنري بيكريل) وفي الكيمياء عام 1911، واللجنة الدولية للصليب الأحمر التي فازت بالجائزة ثلاث مرات، والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي نالتها مرتين، وفلينوس بولينج الذي نال الجائزة مرّتين بشكل منفرد، مرة في الكيمياء عام 1954 ومرة في السلام عام 1962.
ولأنّنا كعرب، نخطئُ غالباً في تقدير الجوائز والألقاب والأوسمة، ونعتقد أنّ من نالها نال المجد كلّه، وفاز بالسبقِ، وأقصى كلّ منافسيه خارجاً، ففي الشعر، لا أمير للشعراء عندنا إلا واحدٌ، وفي النثر لا راويَ عظيماً إلا واحدٌ، وفي القصة القصيرة، والبحث الفكري والفلسفي والتاريخي كذلك، ولأننا هكذا فنحنُ لا زلنا نقيس الجوائز بإسقاطاتنا عليها، فنوبل للسلام في نظرنا، لا تُعطى لمن لا يقيمُ سلاماً فورياً وعاجلاً، وهل يُقامُ سلامٌ فوريٌّ وعاجلٌ دون تسويات تاريخية صعبة وتنازلاتٍ أصعب من طرفي كلِّ حرب، وتنويرٍ فكريٍّ عميق للمتطرّفين منهم خاصةً؟، أم هل يقام سلامٌ بدون جرأة الراغبين فيه، وتفانيهم؟.
والتساؤل البريء إذاً هنا، بالنسبة لجائزة نوبل، وفي الأدب حصراً، مرتبطٌ بـسؤال "عن ماذا؟" وليس سؤال "لِمَن؟"، ففي وصية مؤسس الجائزة، نوبل نفسه، ينصُّ استحقاق الفوز بها عن فئة الأدب "لكاتبٍ قدّمَ خدمةً كبيرةً للإنسانية من خلال عمل أدبي وأظهر مثاليةً قويةً"، وبمحبةٍ عميقةٍ لأدونيس، وتقديرٍ لإرثه المختلَفِ عليه بين مؤيّدٍ ومعارض، واستقصاءٍ لمدى المثالية القويّة التي يتمتّع بها المبدع العربي، تلك التي يمكن الوثوق بها بمعايير اسكندنافية أصيلة كالحياد والدقة والشفافية وغيرها، يقفزُ سؤال: "هل نمنحه جائزةً كبرى عن شعره الجميل في مهيار الدمشقي ومفرد بصيغة الجمع وغيرها؟، أم عن نثره الثابت والمتحوّل حصراً؟، وهو يستحقُّها في نظرنا بكلِّ تأكيد.